in

حق تقديم العرائض في الدستور الأردني لعام 1952

د. أمين سلامة العضايلة 

ملخص

عرفت بعض شعوب أوروبا حق تقديم العرائض في القرن الثالث عشر، ولكن هذا الحق ظهر بمفهومه الحديث هناك إثر قيام الثورة الفرنسية عام 1789.

والدستور الأردني لعام 1952 تبنى، كأسلافه من الدساتير الأردنية، حق تقديم العرائض، حيث نصت المادة 17 من الفصل الثاني من الدستور المتعلق بحقوق الاردنيين وواجباتهم، على أن “للأردنيين في مخاطبة السلطات العامة فيما ينوبهم من أمور شخصية أو فيما له صلة بالشؤون العامة بالكيفية والشروط التي يعينها القانون”.

ومنذ وضع هذا الدستور لم يصدر قانون خاص ينظم هذا الحق، إنما نظمته أنظمة صادرة عن مجلسي الأعيان والنواب وعن السلطة التنفيذية.

ولاعتقادنا بأهمية هذا الحق، هدفنا في هذا البحث إلى إبراز طبيعة حق تقديم العرائض ونطاق تطبيقه في الأردن حسبما نص عليه الدستور.فهو وسيلة قانونية تمكن صاحبها من الاتصال مباشرة بالسلطات العامة لاطلاعها على تظلماته، كما أن هذا الحق يعطي المواطن دوراً إيجابياً في الحياة السياسية، ويجعل السلطات العامة أكثر استجابة للمواطنين، الأمر الذي يساهم في إرساء دعائم الدولة القانونية. ولكن كل هذا لا يتحقق بشكله المنطقي والسليم في الاردن إلا بوضع قانون ينظم هذا الحق كما نص عليه الدستور .

المقدمة 

من المتفق عليه عند علماء السياسة وفقهاء القانون العام أن الدولة في مفهومها الحديث هي “ظاهرة سياسية وقانونية”، فهي تعني جماعة من الناس تقيم على إقليم محدد وتخضع لنظام سياسي معين(1)؛ على أن المفهوم الحديث لفكرة الدولة لم يكن دائماً كذلك، بل كان نتيجة تطور تدريجي للمجتمع السياسي، ودلالة ذلك أن المجتمعات لم تنشأ بداية في صورة واحدة متماثلة ولم تتخذ شكلاً واحداً، بل تعددت صورها وأشكالها تبعاً لعوامل متعددة ومتباينة كاتساع رقعة الأقاليم أو ضيقها وعدد الأفراد في المجتمع الواحد وطريقة تنظيمه والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها؛ فجاءت الدولة بشكلها الحالي نتيجة تفاعل وتطور هذه العوامل(2)، والأمر الذي لا مراء فيه أن السلطة الحاكمة في كل جماعة سياسية تستهدف تحقيق نظام قانوني واجتماعي مميز لها تحدده بالدرجة الأولى، القوى الغالبة في الجماعة، وتمليه الفلسفة السائدة فيها بالدرجة الثانية.

فمنذ العصور الوسطى وحتى قيام الثورة الفرنسية عام 1789 كان يسود مبدأ شخصية السلطة السياسية الذي يعني اختلاط أساس السلطة بممارسها، حيث ساد مبدأ الحاكم هو الدولة وليس أدل على ذلك من قول لويس الرابع عشر : “انا الدولة”. على أنه يتعين التمييز بين فكرتين مختلفتين ألا وهما سيادة الدولة والسيادة في الدولة. فمدلول سيادة الدولة يعني أن الدولة هي صاحبة السلطة القانونية الأصلية الآمرة العليا. أما مدلول السيادة في الدولة فإنه يعني من هو الذي يمارس السيادة داخل الدولة ؟ وقد أصبح هذا التمايز بين الفكرتين واضحاً بعد قيام الثورة الفرنسية حيث انتهى الأمر إلى الفصل بين أساس السلطة وممارسها؛ فأصبحت الدولة صاحبة السلطة(3). ولكن بقي السؤال الذي يحتاج إلى إجابة هو إلى من يرجع صفة الأمر في الدولة؟ أي إلى من تعود السيادة داخل الدولة؟.

على الصعيد الفقهي برزت بهذا الخصوص نظريتان : الأولى ترجع السيادة في داخل الدولة إلى الأمة والثانية ترجعها إلى الشعب. وقد أخذت دساتير الدول، وحسب ظروف كل دولة، تتبنى إحدى النظريتين، فمثلاً الدستور الفرنسي لعام 1791 تبنى مبدأ سيادة الأمة، حيث نصت المادة الأولى من الباب الثالث على أن السيادة لا تتجزأ ولا تقبل التصرف أو التقادم وهي ملك للأمة ولا يستطيع جزء من الشعب أو فرد أن يعطى نفسه حق ممارستها” وكذلك الدستور الأردني لعام 1952 تبنى مبدأ سيادة الأمة في المادة 24 حيث نصت على أن :

“1- الأمة مصدر السلطات 2- تمارس الأمة سلطاتها على الوجه المبين في الدستور”. ومضمون هذا المبدأ أن السيادة للأمة باعتبارها وحدة مجردة مستقلة عن الأفراد المكونين لها، فلا سيادة لفرد أو لجماعة من الأفراد، بل إن السيادة لمجموع الأفراد على اعتبار أن هذا الشخص الجماعي لا يمثل كل فرد من الأفراد المكونين له بل يمثل وحدة واحدة لا تتجزأ مستقلة عن أفراده ألا وهي الأمة. ومن النتائج التي تترتب على تطبيق هذا المبدأ أنه لا يتناسب مع النظام الديمقراطي المباشر حيث يقوم الأفراد بأنفسهم دون وساطة أحد بممارسة شؤون السلطة السياسية. وعلى خلاف ذلك فهذا المبدأ يتناسب مع النظام الديمقراطي النيابي حيث يقتصر دور الشعب بمدلوله السياسي على مجرد اختيار بعض النواب الذين يستقلون تماماً عن الشعب في مباشرة السلطة السياسية الآمرة(4).

ولكن هذا المبدأ منتقد لأنه يشكل خطراً كبيراً على حقوق الأفراد وحرياتهم ويؤدي كذلك إلى الاستبداد. فالهيئات الحاكمة قد تصدر عنها أعمال تنال من حقوق الأفراد وحرياتهم ومع ذلك تعد من الأعمال المشروعة لأن تلك الهيئات تعبر عن إرادة الأمة في أعمالها ولا يجوز للأفراد مساءلتها.من جهة ثانية يؤدي هذا المبدأ إلى إطلاق السلطة للهيئات الحاكمة ما دام يخلي مسؤوليتها أمام المواطنين(5).

أمام تلك النتائج المترتبة على مبدأ سيادة الأمة حرص المشرع الدستوري الأردني على تضمين الدستور الأردني لعام 1952 نصوصاً تخفف من غلواء هذا المبدأ وتحيط حقوق المواطنين بضمانات تساهم في إرساء دعائم الديمقراطية وتحقيق دولة القانون. من بين تلك الضمانات حق المواطنين في اللجوء للسلطات العامة والاتصال بها مباشرة لتنقل إليها شكواها حول واقعه طالبين منها التدخل في الأمر. إذ جاء في المادة 17 من الدستور “للأردنيين الحق في مخاطبة السلطات العامة فيما ينوبهم من أمور شخصية أو فيما له صلة بالشؤون العامة بالكيفية والشروط التي يعينها القانون”.

وقد آثرنا أن يكون حق تقديم العرائض موضوع بحثنا هذا، لأن له طبيعة قانونية خاصة تختلف عن بقية حقوق الإنسان سواء التقليدية منها أو الحديثة، فهو يرتب علاقة مباشرة بين الفرد والسلطات العامة، ومن هنا تظهر طبيعته السياسية، وقد دخل في عداد ضمانات حقوق الأفراد وحرياتهم. وعليه تكون دراستنا لأحكام حق تقديم العرائض في الدستور الأردني لعام 1952 في مبحثين متتاليين وعلى النحو التالي :

 

رابط تنزيل الملف

Report

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حرية الرأي في الفقه السياسي الاسلامي

حق المستأجر في البقاء في العين المؤجرة