in

بحث حول الديمقراطية

مقدمة:

 في طرح مسألة الديمقراطية في إطار جدلية الداخل والخارج تضيع أحيانا الفروق الجوهرية بين عملية بناء وتأسيس الديمقراطية وعملية إعادة انتاجها لذاتها بعد أن تأسست واصبحت قادرة على ذلك. وما يساهم في طمس

الفروق أن الديمقراطية تصلنا جاهزة بعد تطور مئات السنين، مما يشجع البعض على التوهم بأنه ليس بحاجة الى تأسيسها ولا حتى الى تأسيس العناصر المكونة والآليات الاقتصادية اللازمة لاعادة انتاجها يوميا.

وكأن الانتقال الى الموقف الديمقراطي هو انتقال من خيار استهلاكي الى خيار استهلاكي آخر، الى بضاعة أخرى رائجة، لا تأسيس ولا اعادة انتاج. ومن ناحية أخرى فإن ورود الديمقراطية الى المنطقة العربية جاهزة يعني أنه لا يمكن تخيل العودة من جديد على بداياتها بحق اقتراع غير معمم الا لفئة صغيرة مثلا ثم تعميمها تدريجيا، كما حصل في بريطانيا وفي فرنسا وغيرهما عبر تاريخ ديمقراطيات تلك البلدان. لا أحد يستطيع اليوم تخيل ديمقراطية دون حق اقتراع عام يمارسه حتى غير الديمقراطيين ودون حقوق ليبرالية وحريات تستفيد منها حتى قوى غير ليبرالية.

ولكن وصول الديمقراطية الينا جاهزة لا يبرر لدعاة الديمقراطية التعامل معها كأنها “فاست فود” أو تقليعة، كما لا يصح الاعتقاد أنه لا توجد لدينا تجرية نبني عليها، فلا الليبرالية العربية بين الحربين العالميتين كلها أخطاء وارتباط بالاستعمار، ولا القومية الراديكالية في الخمسينات والستينات كلها أخطاء. فقد احتوت بعض عناصر الديمقراطية في ظل أنظمة غير ديمقراطية ومنها اشراك الجماهير في السياسة وتعميم التعليم، وتعميم توقع المساواة والعدالة الاجتماعية. وقد قادت الأخير في ظل عدم تلبيته إلى حركات غير ديمقراطية في كثير من الحالات التي تحول فيها المجتمع الجماهيري الى ترييف مدينة لم تستوعبه. ولكن الحركات الديمقراطية الحالية تستطيع ان تستند ايضا الى هذه القيم المتأصلة جماهيريا بفعل تأثير تيارات الخمسينات والستينات. فهذه تقاليد وتجارب راكمها مناضلون كانت لديهم نية حسنة على الاقل، وآمنوا فعلا بالمساواة والحرية وإشراك الجماهير ولكنهم انتهوا الى بناء أنظمة غير ديمقراطية.

ولا شك أن عملية اعادة انتاج الديمقراطية في البلدان المتطورة وتعميمها من النخبة الى عامة الناس واختلاطها بالإعلام والثقافة الجماهيرية وثورة الاتصالات قد انتجت ظواهر من التعفن السياسي تلتها مظاهر التعب من السياسة والعزوف عنها وبحث الشباب عن معنى لحياتهم خارج اطار الحيز السياسي. كما ارتبطت صورة العمل السياسي بالتآمر الحزبي والوظائف والانتهازية النفعية وتغير السياسات والمبادئ قبل الانتخابات وبعدها وقبل ولوج الائتلافات وبعدها، وتحويل الانتخابات الى كرنفال والبرلمان الى سيرك، والمشهدية وحب الظهور والمكاوعة، (التسابق على الكاميرا وعلى الصف الأول بالدفع بالاكواع) والتنافس دون قواعد أخلاقية ضابطة، واستئصال العمود الفقري الأخلاقي من شخصية السياسي بعملية جراحية تجرى عشية ولوج عالم السياسة، والفصل بين الأخلاق والسياسة، وبين الأخلاق الخاصة والعامة…الخ.

ويعرف هذه الظواهر ويعاني منها كل من عمل في السياسة البرلمانية وحافظ على حد أدنى من الحساسية، كما يعرفها كل من راقب العلاقة البورنوغرافية القائمة بين الإعلام التجاري والسياسة والتواطؤ بينهما.. وكلها ظواهر من الديمقراطية المتأخرة القادرة على الاستمرار دون ديمقراطيين لأنها ترسخت كتقاليد ومؤسسات تستوعب غير الديمقراطيين من صغار السياسيين وممتهني السياسة، وبإمكانها تحمل المطابقة بين الواقعي والانتهازي، ومرادفة النفعية بالانتفاع، وبوسعها تحمل اعتبار ال”ريال بوليتيك” نوعا من قابلية السياسي أن يسير على جثث ( مادية أو معنوية) نحو هدفه دون أن يرمش له جفن، واعتبارها موهبة وربما حتى فضيلة وميزة، كما أن بامكانها تحمل اعتبار اخضاع اي قضية مهما كان شأنها لحب الظهور موهبة إعلامية.

تنزيل باقي البحث بصيغةWORD 

Report

أسطورة

كتب بواسطة Ayoub

Years Of MembershipCommunity Moderatorمستخدم معتمدContent Authorكاتب المواضيع

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

بحوث مدرسية جديدة

بحث حول الدولة الاموية

بحوث مدرسية جديدة

بحث حول الديناميكا الحرارية