in

بحث حول صورة المحارب في ديوان المتنبي

.المقدمة:
لا جَرَمَ أَنَّ لصورِ المحاربِ، في شعر أحمد بن الحسين المتنبي (303-354هـ) حضوراً مِبرازا، تَقُع عليه العُين في قصائدِ ديوانِه، فينقلُِكَ إلى الهيجاءِ وساحِها، فترى مَعَهُ بعينِ خيالِك مُحاربينَ رَجَلَةً وفرساناً، إما يتطاعنون بالرِّماحِ، أو يتقارعون بالسُّيوفِ، أو يتشاجرون بالقسِيّ والسِّهام، وتصيخ بمسمعيك إلى حمحماتِ الجياد، وتصفيقِ سنابِكها، وهي تَنْقُشُ صدورَ البُزاةِ على صُمَّ الصَّفا، أو تطبعُ بالحرفِ الأوّلِ من أسم قائِدها”علي” فَتَمْزجُهُ بمقدوحِ الشَّرر، وصليلُ السيوفِ يمتشجُ مُقَعْقِعاً في البيَض والهاماتِ، في نقيع القساطلِ المتفرّقة، من أصقاع دولةِ بني العباس؛ داخلَ حدودِها وخارجَها، تقمعُ الفتنَ الداخليةَ، وتلتحم مع الروم، في معاركَ شتّى كرّاً وفرّاً، والنتائجُ تماخضُ قتلى وجرحى، وأسرى وسبايا وإعزازآ وإذلالا.
وعلى الرَُّغمِ من حضور المحارب في شعرهِ، فإنّ الدراساتِ في هذا المجالِ نادرةٌ أو قليلةٌ لم تستوفِهِ حَقَّهُ قدَيماً وحديثاً، فمن القدماء من دَرَسَ مقاطعَ مبتسرة من شعره، أو لخّص رأياً له في شعرهِ عامة، أو نَظَرَ إلى شعر الحربِ عنده؛ شأنُ الشّريفِ الرّضي، فأرتاه “قائد عسكر”(1) كأنما يُكَثّفُ توقيعا بليغاً فيه،ومنهم من قَرَّضَ شُهْرَتَهُ بين النّاس، واستحسنَ فيه البديهةَ والارتجالَ، دون أنْ يمثّلَ على فنَّ الحَرْبِ عِنْدَه، أو يظهرَ صورة الحربِ في ميدانهِ، شأنُ ابن رشيقٍ الذي يقول: ” ثم جاءَ المتنبي فملأ الدنيا وَشَغَلَ النَّاس، ..كان كثيرَ البديهةِ والارتجالِ، وهو خاتم الشعراء……(2)
ومنهم من أهتمَّ بهيئته جالساً؛ وهو يُنْشِدُ بين يدي سيفِ الدولةِ، ولامتلاكه القوافي والمعاني، شان الثعالبي الذي يقول فيه:” .. وقد تفرَّدَ عن أهِل زمِاِنه بِمِلكِ رقابِ القوافي ورقةِ المعاني.(3)
وَبعضُهم من استوفقهُ تصويرُهُ للمعارك، شأنُ ابنِ الأثير، فذهبَ يؤَكَدُ شهودهَ الحرْبَ مع سيفِ الدولة، ولهذا فلسانُهُ يِصَفُ ما رآه عَيانا، وكأنَّ ابنَ الأثيرِ يَشْهَدُ له بِصِدقْه، ويُعْجَبُ بتشخيصه صُور الحرْبِ، وَوَصْفَهُ لها وهو على أهميّة رأيهِ يَعوُزهُ تجليةُ الصورةِ الحربية، والتدليلُ عليها فيقولُ فيه:” إذا خاضَ في وصفِ المعركةِ، كانَ لسانُه أمضى من نِصالِها، وأشجعَ من أبطالِها، وقامت أقوالُه للسامعِ مقامَ أفعالها، حتى تَظُنَّ أنّ الفريقينِ قد تقابلا، والسّلاحين قد تواصلا”(4)، هذه أبرز آراء القدماء فيه، أمّا أبرزُ دراسات البَحَثَةِ المحدثين فيه، فدراسة موسومة “ب” الحَرب في شعرِ المتنبي؛(5) إذْ إنَّهُ خَصَّ الحربَ بالباب الرابع من رسالتِه، فَدَرَسَ أوصافاً لأبطالٍ ونفسياتِهم، وبعضَ الأسلحةِ، ونتائجَ المعارك، ولكنّه على َجهده، لم يَنْفُذْ إلى الصورةِ الفنيةِ للمحاربِ، ولم يتغلغلْ في أبعادِها، وتنوِّعِ َدلالاتِها، كما طغى على تحليلهِ الشَّرْحَ المدرسيُّ للنَّصّ، ينثرُه دون أنْ تستوقفِهَ في كثيرِ من الحالات، الدلالاتُ العميقةُ للصورة الحربيةِ، ولم يُكَلِّفْ نَفْسَهُ توثيقَ الشاهدِ الشعري ورقمَ صَفْحَتِهِ، فبدا بحُثهُ عائماً غائماً.
ومن الدراسات في هذا المجال دراسةٌ موسومة بـ” سيفيات المتنبي” دراسة نقديّة للاستخدام اللغوي(6): نَحَتْ فيها مَنحى لغوياً أكثرَ منه فنيا، واقتصرته على سَيفياتِه، فافتقدْنا الصورةَ الحربيةَ في غيرِ سَيفياته، ولعلَّ عُذرَها غيرَ المستقصي لصورةِ الحربِ أن يكونَ في ضَوء مَعطياتِ رسالتِها وخُطتِها.

تنزيل “ديوان المتنبي” %D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B1%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%AF%D9%8A%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%86%D8%A8%D9%8A.docx – تم التنزيل عدة مرات – 118 كيلوبايت

أسطورة

كتب بواسطة Ayoub

Years Of MembershipCommunity Moderatorمستخدم معتمدContent Authorكاتب المواضيع

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

بحوث مدرسية جديدة

بحث حول صدأ حديد التسليح وتأثيره علي المنشأت

بحث حول سياسة المنتج في المفهوم التسويقي