دوافع انتقال الجزائر الى اقتصاد السوق

اقتصاد


0

مقدمة:

بعد التجربة التي خاضتها الجزائر بإتباعها النمط الاشتراكي القائم على النظام المركزي في التسير والمعتمد على سياسة  المخططات كبرامج لتحقيق التنمية واعتمادها في عملية التمويل على عائدات صادرات النفط المرتفغة في مرحلة السبعينات خاصتا ولجوءها بين الحين والاخر الى الاستدانة لتغطية النقص الحاصل في مبالغ المالية المخصصة لتمويل المشاريع الضخمةسجلت في منتصف الثمانينات انتكاسة كبري سببها الانخفاضالغير متوقع لأسعار النفط مقابل فشل المخططات المنتهجة  وارتفاعالمديونية تاركة  انطباعا سيئ لدى البنوك العالمية فسارعت الى احداث تغيرات هيكلية بمحاولات ذاتية لكنها عرفت نفس مصير السياسة المنتهج من قبل فما كان من السلطة العمومية  سوى اللجوء الى المؤسسات النقدية الدولية  من اجل الخروج من هده الوضعية بإعادة بناء هيكل اقتصادي وفقا رؤية هذه المؤسسات مقابل حصولها على دعم المالي من هذه الاخيرة فكان لها ذلك مرورا بمرحلة انتقالية صعبة سنتناولهافي هذا البحث بعد ان نتطرق الى انعكاسات الازمة.

المبحث الاول :إنعكسات الازمة على الاوضاع  الاقتصادية 

إن سنة1986 كانت سنة الصدمة الاقتصادية بالنسبة للجزائر فإنهيار أسعار البترول أظهر جليا عدة إختلالات يتمثل أبرزها في :

المطلب الاول الاختلالات الهيكلية : التي ميزت الاقتصاد الوطني والتي كانت تتخفي ولفترة طويلة وراء الصادرات البترولية والمتمثلة في :

أ-إنهيار الاستراتيجيات الصناعية والتى يمكن ملاحظتها من خلال نقص الطاقة الانتاجية وتدني مستوى إنتاجية عوامل الانتاج

ب-ضعف تغطية الواردات بالصادرات خارج المحروقات من خلال إنخفاض معدل التغطية والمقدر ب16 ٪فقط وهو مايعكس ضعف المقدرة  التنافسية مع  الخارجبالنسبة للصناعة.

إن معيار قياس نجاعة هذه الاداة حسب الدراسة المذكورة تأكد أنه من أجل رفع الانتاج بنقطة واحدة ينبغي مضاعفت حجم الواردات من المدخلات ب1.6 نقطة

ج-تبعية غذائية نسبتها 87٪ (حسب دراسة 1991) بفتورة قيمتها2 ملياري دولار في حين أن معدل التغطية الزراعية سجل معدلات جد منخفضة مقارنة بدول المغرب العربي

د- تبعية مفرطة للاقتصاد الوطني للعائدات البترول فقطاع المحروقات يساهم بنسبة 97٪ من الايرادات الاجنبية كمايغطي 3/2 من ميزانية الدولة.

المطلب الثاني: الاختلالات المالية :

أ-العجز المستمر في ميزان المدفوعات ما بين 1986-1989 ومحاولة معالجته بالقروض القصيرة الاجل حيث بلغت هذه الاخيرة 1.48 مليلر دولار سنة1989 مقابل 0.8 مليار دولار في سنة 1985 مما أدي الى الارتفاع المذهل في نسبة خدمة الدين الخارجي.

ب-تغطية عجز الخزينة العمومية بالاصدار النقدي  حيث بلغ عجز الخزينة المغطى بالاصدار النقدى 12.7٪ من الناتج المحلي الاجمالي سنة1988  مما أدي الى ارتفاع السيولة.

-إرتفاع نسبة التضخم بسب زيادة عدد السكان رفقتها زبادة في أجور ومرتبات العاملين والتي لم يقابلها زيادة في الانتاج الحقيقي  بالاضافة الى إرتفاع الميل الاستهلاكي نظرا لظهورأنماط إستهلاكية جديدة  وكذا إنخفاض قيمة العملة وماترتب عنه من زيادة في أسعار السلع والخدمات المستوردة و ونظرا لصعوبة التي واجهتها الحكومة في تمويل النفقات  لجئت الى التمويل النقدي مما أدي الى إرتفاع الكتلة النقدية مع عدم قدرة الاقتصاد على خلق سلع وخدمات مقابل لها فنتج عنه تضخم .

ج-الازمات المالية التي لحقت بالمؤسسات العمومية وما ترتب عنه من قروض الغير مجدية  والقصيرة الاجل من البنوك .

د-تراجع نمو الناتج الخام إبتداء من سنة 1986 من (-0.30)الي(-1.4)سنة1990 بإستثناء سنة 1989.

-العجز في ميزانية الدولة بسبب الزيادة الكبيرة في الانفاق العام على إستثمارات القطاع العمومي والزيادة في  الاجور والمرتبات وكذلك الدعم المقدم للاسعار  السلع  والخدمات امام إنخفاض معدل نمو الايرادات الضربية والجمركية وإنخفاض دخل الحكومة من الايرادات البترولية.

المطلب الثالث:

الاختلالات الاجتماعية: من أبرزها إرتفاع معدل البطالة حيث تأكد دراسات “الديوان الوطني للاحصاء والدراسات المختلفة”ان حجم البطالة بدء ا يرتفع من سنة 1984 وبإضطراد حيث قدر سنة 1993 1.266 مليون عاطل عن العمل اي بمعدل 21.1٪. اي نسبة1 الى 5 يبحثون عن العمل من السكان النشطين  مرد ذلك الى الوتيرة المرتفعة للسكان مقابل تدهور عملية إستحداث مناصب شغل وكذلك الي تسريح العمال الملاحظ منذ1985 .

إضافتا الى المردود السيئ  لمنظومة التكوين والتعليم   حيث نجد أن ما يقارب 85 ٪من العاطلين عن العمل شباب أعمارهم تقل عن 30 سنة تضيف الدراسة المذكورة سابقا .

أضافة الى الارتفاع معدلات التضخم  من خلال التغير الحاصل في مؤش العام للاسعار الاستهلاك  قد إنتقل من 8٪ في سنة 1984 الى 22٪ في سنة 1991 والي أكثر من 30٪ في سنة 1992 .

من هذا التحليل نستنتج أنه وفي نهاية 1989 وهي أخرى سنة في المخطط الخماسي الثاني أن مشروع إعدد تنمية مستقبلية للاقتصاد الوطني قد فشل .فبدلا من تراكم الثروات المبني  على أساس مخططات السنوات السابقة . أعيد التفكير في إنطلاقة جديدة لعملية النمو.

وإنطلاقا من هذا فإن النموذج السابق لم يعد قادرا على مواصلة عملية التنمية فالمعطيات السياسية تتح إمكانية واسعة لتغير السلوك ومعالجة موضوعية للمشاكل التي افرزتها التجربة التنموية الاولى . من أجل إمكانية العودة الى نمو إقتصادي حقيقي .

لقد كانت هناك معطيات أفرزتها تغيرات سياسية وإقتصادية دولية أعطت فرصة كبيرة للانتقال من تنظيم إقتصادي معروف الى تنظيم إقتصادي اخر أكثر نجاعةقبل اللجوء الى المؤسسات النقدية الدولية محاولات إصلاح في المرحلة .

إستقلالية المؤسسات:

جاء هذا المشروع بعد تدهور أداء معظم وحدات إنتاج القطاع العام وعدم قدرتها على توفير التمويل اللازم لمواصلة الدورات الانتاجية وتطوير المنتوج وضمان الجودة وهي وحدات سبق لها أن شهدت إصلاح في هيكلها التنظيمي مع مطلع الثمانينات وعليه جاءت إستقلالية المؤسسات كامتداد للاصلاح السابق لتتحصل كل مؤسسة على إستقلالها المالي وتتحمل مسؤليتها في إدارة اعمالها ونشاطاتها وعممت الاصلاحات في هذا السياق في شتى المجالات لكنها لم تشهد تجسيدا حتي نهاية سنة1987   شمل هذا الاجراء  الاملاك الزراعي  التابعة للدولة وإنشاء التعاونيات الفلاحية القائمة في إطار التسيير الذاتي  بغية تشيع القطاع الفلاحي الذي كان مهمشاعلى حساب القطاع الصناعي و الخدمي ولم تمنح الاستقلالية للمؤسسات فعلا إلا بعد صدور قانون الاستقلالية في جانفي 1988 .

تقليص النفقات :

نتيجة لتراجع عائدات البترول قامت الدولة بتقليص الواردات مع مايترتب عنها من نتائج على سير الجهاز الانتاجي وتغطية احتياجات افراد المجتمع كماعملت على خفض إنجاز المشاريع الاستثمارية كما  نسجل توجه السلطة الى الانفتاح نحو الاسواق العالمية وفتح المجال امام القطاع الخاص ولتجسيد ذلك قامت السلطات بإصدار جملة من القوانين والقرارات المتكاملة بغية تمكين السلطات من تحقيق تلك الاصلاحات على أرض الواقع  , غير أن الاوضاع الاقتصادية عرفت سوء وتفاقم للاختلالات خاصتا على مستوى الطلب الكلي داخل السوق المحلية مما أدى الى انفجار الجبهة الاجتماعية في أكتبر 1988

المبحث الثاني: مسار الانتقال

دوافع الانتقال:

لقد كان الانتقال الى نظام إقتصاد السوق ضرورة أفرزتها إختلالات منظومة الانتاج وتقادم أداتها وعدم تكيفها مع متطلبات التنمية  حسب الاحتياجات الاقتصاد الوطني ، والنقص الحاد في السيولة النقدية بالعملة الصعبة حيث لم يعد يطرح للنقاش إلا هدا العنصر الاخير الامر الذي الذي يجزم بأن مسألة التوازنات العامة للاقتصاد والانتعاش الاقتصادي ترتبط إرتباط وثيقا بمعالجة أزمة الدين التي يعرفها الاقتصاد الجزائرى وعليه كان لابد من معالجة أزمة المديونية التي فرضت التحول الاقتصادي ، وإعادت هيكلتها إن إنعكاسات المرحلة الاولي قد وضعت الجزائر تحت مجموعة من القيود أهمها الوضعية المالية التي دفعت بالوضع الاقتصادي والاجتماعي الى التدهور وأجبرت السلطات العمومية الجزائرية علي البحث عن علاج خارجي للوضع المالي ومنه  فإن عملية إعادة بناء الاقتصاد الجزائري  لا يتحقق بقرار سياسي سيد ومستقل وبالتالي الانتقال الي البحث عن التنمية في إطار إقتصاد اللسوق  يمر عبر برامج هيكلية مملاة مقترح من طرف البنك العالمى وصندوق النقد الدولي في افاق أخرعشرية القرن الماضي لم يكن الانتقال من تنظيم إقتصادي مبني على أساس التخطيط المركزى الى نظام إقتصاد السوق مقتصرا على الجزائر فحسب بل شمل دولا عديدة  كبلدان وسط وشرق أوربا ،الصين مصر وغيرها من الدول. في الحقيقة هناك من يعتبر هذه الخطوة عودة الى إقتصاد السوق بعد ما كان التحول منه الى الاقتصاد المخطط  إبتداء من سنة 1917 بهدف بناء إقتصاد إجتماعي مغاير تماما للمنظومة الاقتصادية التي كانت سائدة في هذه الدول بمافيها الاتحاد السوفياتى لدى لم يكن في  وسع هذه الدول  سوى العودة الى إقتصاد السوق لآنه  في الجوهر مازالت البلدان الرأسمالية تتحكم في دواليب الاقتصاد العالمي من خلال المؤسسات المالية والنقدية الدولية تحت غطاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي للامم المتحدة.وبتالي فإن تحول هذه الدول الى نظام إقتصاد السوق مرتبط بأفكار خبراء صندوق النقد الدولي والبك العالمي.

حيث يعتبر رئيس البنك العالمي james D.wolfensohn في تقديم تصدر تقرير البنك لسنة 1996  أن الانتقال الى نظام إقتصاد السوق يعد ضرورة حتمية فالعالم اليوم يعرف تحولا سريعا في حجم المبادلات الدولية  والاستثمارات الخاصة الذي فتح أفاق واسعة للنمو والتشغيل وتحقيق مداخيل مرتفعة  رفعت مستويات المعيشة بفضل حرية حركية اليات السوق.

طبيعة التحول:

يعترف رئيس البنك بصعوبة مرحلة الانتقال بإعتبار أن هذه التحولات لها تأثير مباشر وعميق في مستوى معيشة شعوب هذه البلدان  ويقترح معاينة مفصلة لمسار البلدان التي توجد في طور التحول كما قدم مجموعة من الملاحظات للبدان التي إنطلقت في إصلاح إقتصادياتها وأكدعلى إحترام بعض المبادئ منها :

-فتح الاسواق ومضاعفة  التبادل و إتخاذ إجراءات تضمن الاندماج في الاقتصاد العالمي .

-تحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال تقليص نسبة التضخم وإتباع سياسة مالية تقشفية .

-إصلاح المؤسسات الانتاجية  وتنمية القطاع الخاص  بتعميم الملكية الخاصة.

-مساهمة الهيئات العمومية في إنجاح الانتقال الى إقتصاد السوق كالجهاز القضائي وإصلاح منظومتي التعليم والصحة و إعادة هيكلة شبكات الحماية الاجتماعية  وكذا التقليل من مخاطر الرشوة والفساد. معا تثمين رأس المال البشري.

-توزيع الموارد بالكيفية التي تضمن تحقيق النمو .

في هذا الاتجاه يساعد كثير إنتماء هذه البلدان لمؤسسات المنظومة العالمية للتبادل في تعميق ومواصلة الاصلاحات التي إنطلقت فيها.كما يولي التقرير ايضا للانسان في هذه البلدان أهمية حيث يوصي بضرورة حمايته والمحافضة علي دخله الذي قد يفقده خلال المرحلة الانتقالية .الجزائر التى التزمت بتنفيذ كل العناصر التقنية والمؤسساتية التي جاءت في التقرير بالنظر الى أزمة الاختلالت المالية التي ظهرت إبتداء من سنة 1986 كانت ملازمة كذلك بتطبيق  الاصلاحات  عن طريق عملية إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني.

وبالتالى سيترك الامرالى اليات السوق لتأخذ مكانها .اين ستعرف نشاطات القطاعات التى كانت مقيدة نمو سريعا بينما ستعرف المؤسسات التي لم تكن تتمتع بالفعالية والنجاعة الاقتصادية انهيار إذا لم تتكيف مع مضمون إقتصاد السوق .

كما ينبغي للمنظمات التي كانت تنشط في إطار التنظيم السابق أن تتطور وإلا ستخضع لعملية إستبدال على نطاق واسع  . بنبغي أيضا أن تتغير العلاقة الموجودة بين الدولة والمواطن من خلال منحه حرية الاختيار في إطار السلوك الاقتصادي الحر  وكذلك تحميله المخاطرة الاقتصادية.

إن مسار  التحول الى نظام إقتصاد السوق ليس متطابق بالنسبة لجميع البلدان فكل بلد له محاولات ملموسة على حدة .وكل له اولوياته فالجزائر اعطت عملية إعادة هيكلة الصناعة طابعا خاص .فأداة الانتاج الصناعي كانت غير ناجعة وتتميز بإنطوائها علي السوق الداخلي .

وتفتقر لمنافذ خارجية.  مع ضرورة مراجعة اسعار الانتاج  والبحث عن الكيفية  التي يتم بها فتح رأس المال العمومي الى المساهمين الخواص خاصتا منهم الاجانب , كما لعبت فترة التحول الشامل اهتماما طرحه منظرو إقتصاد السوق في الجزائر:هل نسرع في عملية الانتقال لنتوصل الى نتيجة غير مرضية كما أثبتت تجربة 1990-1991 .

ام نتبع طريقة التدرج فيما يخص مسألة الانتقال وهي الطريقة الانجع  كما ناقش المنظرون دور الدولة في الحياة الاقتصادية واعتبرو ان تسير شؤون العامة للبلدوتحقق العدالة الاجتماعية لايتحققان بطريقة الية كما اكدو علي ضرورة استمرارالدولة في امتلاك عدد محدد من المؤسساتاو اشتراكها في نسبة معينة من اصول مؤسسة ما , كما أن حضور الدولة لابد أن يظهر في بعض الوضائف كالوضيفة النقدية وجباية الضرائب  تنظيم الحوار الاقتصادي .

ينبغي ايضا السهر على التهيئة العمرانية المثلى و ان تعمل على امتصاص غضب الفيئات الاجتماعية التي ستتضرر حتما من الانعكاسات السلبية  في المرحلة الانتقالية من خلال التحاور مع التنظيمات النقابية والمهنية.

اليات الانتقال :

في البداية لابد من الاعتماد على سند إديولوجي  و المتمثل في ” اللبيرالية” التي تعد الاساس النظري للاقتصاد السوق.  حيثتبرز من خلال عنصرين الاول دور الدولة في توجيه الحياة الاقتصادية والمتمثل في الوظيفة الادارية والتنظيمية ، و وظيفة إعادة توزيع الدخل. أما العنصر الثاني فيكمن في إعادة هيكلة مختلف المؤسسات وفق متطلبات إقتصاد السوق

كذلك لابد من توفير الميكانزمات الازمة لخدمة هذا التنظيم الجديد هذه الاخيرة التي سجلت تأخرا نسبيا في إنجازها .

فسوق رؤوس الاموال غير موجود وسوق النقد لم تأخذ وضعها وسوق العمل غير منظم .

وغياب أسواق العقارات والتجهيزات وغيرها فالتبادل مع الخارج يتم في شكله التجاري والمالي فقط.، ضف الى ذلك ضرورة التخلص من مفاهيمالتنظيم الاقتصادي القديم.من خلال إحداث قطيعة جذرية مع النموذج الاداري المركزي للتسير حسب بيان اول ملحق لوزارة الماليةمع صعوبة تغير ذهنيات التي بنيت في السابق بقرارات إدارية.


شارك الموضوع مع أصدقائك

0

تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *