fbpx

نشأة الادب المقارن واهم مدارسه

ادب


0

1- مقدمة:

من البديهي أن ظهور أي علم من العلوم تسبقه إرهاصات و عوامل ، تكون ممهدة لظهوره أو سببا في نشأته أو في تطوره  أو فيهما معا ، و الأدب المقارن هو من هذه العلوم التي سبقت ظهورها العديد من الإرهاصات ، و ساهمت في نشأتها العديد من العوامل ؛ و يمكن اعتبار الظواهر الأدبية العالمية    و التي من أهمها ظاهرة التأثير و التأثر بين الأداب إحدى أهم تلك الظواهر التي ارهصت لظهور هذا العلم.

و يمكن اعتبار أن أقدم ظاهرة في هذا المجال ، أي : ظاهرة تأثير أدب في أدب آخر ، و أبرزها و أكثرها نتائجا و انتاجا في القديم ، هي  ما حدث بين كل من الأدبين اليوناني و الروماني  من تأثير   و تأثر ، و التي يقول المؤرخون أن بدايتها كانت في عام 146 قبل الميلاد[1] و هي السنة التي غزى فيها الرومانيون اليونانيين و احتلوهم عسكريا ، و لكن هذا الإحتلال العسكري لليونانيين من طرف الرومانيين قد قابله احتلال عكسي و من نوع آخر ، يتمثل في احتلال اليونانيين للرومانيين أدبيا و ثقافيا ، فقد صار كل من الأدب و الفلسفة اليونانيين المرجع الأساس للفلاسفة و الكتاب الرومانيين ، بحيث اصبح الكتاب الرومانيون يحاكون اليونانيين في كل شئ ، فنجد مثلا أن كتاب المسرحيات الرومانيين قد تأثروا بالغ الأثر بالمسرحيين اليونانيين ، فالمسرحي التراجيدي الروماني  ( سينيكا) نجده قد تأثر بالمسرحيين اليونانيين التراجيديين أمثال سوفوكليس و يوريبيديس و  اسخيليوس و حاكاهم و حاكى بعض اساليبهم في المسرح ، و غيره الكثير من الكتاب الرومانيين الذين كان واضحا تأثير الأدب اليوناني في أدبهم .

 و ما يمكن أن نشير اليه  هو أن هذه الظاهرة ، أي : ظاهرة التاثير و التأثر بين الأدبين قد أثمرت نظرية نقدية مهمة كان لها بالغ الأثر لدى النقاد حتى عصر الكلاسيكية  ، ألا و هي نظرية ( المحاكاة ) التي جاء بها الناقد الروماني هوراس (85-8 ق م ) ، و التي كانت نواة لنظرية ( المحاكاة ) في عصر النهضة ، هذه النظرية التي وضعها هوراس و الذي كان يهدف من خلالها لتطوير الأدب الروماني من خلال محاكاته للأدب اليوناني ، و كان يدعو الكتاب الرومانيين في قصيدته النقدية (فن الشعر ) بأن يحاكوا الكتاب الاغريق و يتبعوهم حتي يمكنهم تطوير الأدب الروماني ، فيقول في هذا الشأن : ” اتبعوا امثلة الإغريق ، و اعكفوا على دراستها ليلا ، و اعكفوا على دراستها نهارا ” و هو ما يبين بوضوح شديد دعوة الناقد هوراس الى تتبع و محاكاة الكتاب الإغريق.

       و من هذه النظرية التي اسست للمحاكاة ، و التي كان نتاجها كثرة النتاجات الادبية الرومانية التي حاكى اصحابها الاعمال الادبية للكتاب الاغريق ، اصبح النقاد و المؤرخون الرومانيون يقومون ببعض الدراسات المقارنة البسيطة ، و التي تعد من قبيل الصورة الساذجة للمقارنة و تعتبر في الوقت نفسه حلقة من حلقات ارهاصات الادب المقارن .

        كما يمكن اعتبار بعض الدراسات السابقة التي قام بها بعض النقاد و التي تعلقت بدراسة بعض تاثيرات بعض الآداب بآداب أخرى ، كتاثير الأدب الإسباني و الايطالي في الأدب الفرنسي ، و مثالها الدراسة التي قامت بها مدام ديسكوديري و انتقدت من خلالها  الشاعر الفرنسي(كورني) على اخذه مسرحية (السيد) le cide من الأدب الإسباني و اعتبرتها من قبيل السرقة.

        و في حقيقة الأمر فإن هذه المحاولات في المقارنة بين الآداب كانت من قبيل الإرهاصات التي سبقت نشأة الأدب المقارن كعلم له اجراءاته و تقنياته و مجالاته .

2-  النشأة و أسبابها:

تعود نشأة الأدب  إلى القرن التاسع عشر الميلادي ، و يرى العديد من الدارسين انه بالرغم من المحاولات المقارنية العديدة بين الآداب في السابق إلا أن ملامح هذا العلم بمدلولاته الحالية ( الحديثة ) ، لم تظهر إلا في سنة 1827 في فرنسا ، و ذلك حين بدأ المقارني الفرنسي “آبيل فيلمان” (Abel Villemain) الذي كان أول من استخدم مصطلح ” الأدب المقارن ” وإليه يعود وضع الأسس الأولى لهذا الفرع المعرفي الأدبي، يقوم بإلقاء محاضرات في جامعة السربون حول علاقات الأدب الفرنسي بالآداب الأوروبية متناولا فيها التأثيرات المتبادلة بين الأدب الفرنسي والأدب الإنجليزي ، وتأثير الأدب الفرنسي في إيطاليا في القرن الثامن عشر، و كان هدفه من وراء ذلك تقديم صورة عن ما تلقته الروح الفرنسية من الآداب الأجنبية ، وما أعطته لها من أجل كتابة تاريخ أدب شامل لفرنسا.

يرجع بعض الباحثين في الدراسات الأدبية المقارنة و تاريخها بوادر نشأة الأدب المقارن إلى القرن التاسع الميلادي و هنالك من يرجعها الى تواريخ سابقة ، و غيرهم إلى تواريخ لاحقة ،  و لكن المنطق يقتضي منا أن لا نقف كثيرا عند هذه الاختلافات  “.و الواقع أننا لو أخذنا نبحث عن بداءات كل علم من خلال التلميحات الغامضة القديمة له لوجدنا أن جميع العلوم قديمة جدا ، لأن أصولها المبدئية موجودة في التجربة الإنسانية و الحاجة الإنسانية إلى العلم، و لكن ما نحن بصدده الآن هو تتبع النشأة الأولى للأدب المقارن بوصفه علما حديثا “.

و يرى الدكتور غنيمي هلال ، أن الأدب المقارن قد نشأ في القارة الأوروبية ،”حيث اكتمل مفهومه ، و تشعبت أنواع البحث فيه ، و صارت له أهمية بين علوم الأدب لا تقل عن أهمية النقد الحديث ، بل أصبحت نتائج بحوثه عماد الأدب و النقد معا”.

و يرجع الكثيرون سبب نشأة و ظهور الأدب المقارن في القارة الأوروبية ، و في القرن التاسع عشر بالتحديد إلى الدراسات المتعددة في مجال المقارنة بين الآداب الأوروبية و دراسة العلاقات المتبادلة فيما بينها التي ظهرت في القرن الثامن عشر و التي كانت بمثابة إرهاصات لظهوره ، والتي يعود سببها هي كذلك إلى عدة عوامل ، نذكر منها على سبيل المثال :

1- ظهور مناداة لرؤية عالمية في مجال الثقافة و الأدب عند بعض المفكرين الأوروبيين أمثال فولتير و روسو و ديدرو و غوتة ، و ظهور اعتقاد بأن الآداب الأوروبية هي حصيلة تفاعلات مشتركة عميقة ، و أن الإبداع الأدبي هو تجربة مشتركة غير مقصورة على أدب دون آخر .

2- تطور الاتجاه الرومانسي في الأدب و طرحه لتصور يقضي بكون الأدب هو اتجاه إنساني شامل يعنى بالتجربة الإنسانية أينما كانت ، و يتجاوز حدود الأمم و اللغات .

3- اتساع الأفق الأدبي عند الكثير من الباحثين نتيجة لازدياد الصلات الثقافية بين الشعوب الأوروبية و اطلاعهم و معرفتهم بأدب بعضهم البعض ، اما عن طريق الترجمات أو عن طريق المعرفة المباشرة للغات الأجنبية.

4- نشأة فروع معرفية جديدة تعتمد على المقارنة مثل : علم الميثولوجية المقارن ، و علم التشريع المقارن ، و علم اللغة المقارن .

5- المطالبة الملحة للعديد من الباحثين الأدبيين ، و على رأسهم الفرنسي ( ادغار كينيهEdgar Quienet  ) بضرورة إيجاد علم أدبي مقارن.

أما الأسباب التي أدت لظهور الأدب المقارن في فرنسا قبل غيرها من الدول الأوروبية الأخرى فيرجع ـ حسب أغلب الدارسين ـ  لعدة عوامل كانت مواتية في تلك الفترة في فرنسا ؛ منها الثقافية ، و الاجتماعية ، و السياسية ، و التي من أهمها:

أولا : أن المناخ الثقافي الفرنسي كان مستعدا منذ العصر الكلاسيكي لممارسة البحث الأدبي المعمق في تلك الفترة لاسيما بعد أن تعاقب على فرنسا حكام اهتموا بالعلم و الثقافة وعملوا على جعل فرنسا مركز إشعاع ثقافي في أوروبا.

ثانيا : تنبه الفرنسيين قبل غيرهم من الأوروبيين إلى قيمة التراث المشترك بينهم وبين المناطق الأوروبية ألأخرى ، مما كان سببا في نشأة أساس فكرة الأدب المقارن.

ثالثا:الرغبة الشديدة للفرنسيين في استرجاع مكانة فرنسا الثقافية الماضية ،من خلال بسط السيطرة الثقافية على المستعمرات الفرنسية في البلدان الإفريقية.

مدارس الأدب المقارن

أولا: المدرسة الفرنسية: 

         تعتبر المدرسة الفرنسية التقليدية هي أول اتجاه ظهر في الأدب المقارن ، و كان ذلك في أوائل القرن التاسع عشر واستمرت سيطرتها كاتجاه وحيد في الأدب المقارن إلى غاية أواسط القرن العشرين ، أي قرابة القرن من الزمان تقريبا، حيث ظهرت اتجاهات أخرى نازعتها هذا التفرد.

و للعلم فقد قامت هذه المدرسة علىالمنهجالتاريخي ، و لذلك تسمى بالمدرسة التاريخية، و يعرف فرانسوا غويار أحد أهم أعلامها الأدبالمقارنعلى أنه:  “ تاريخالعــلاقاتالأدبيةالدوليةأو هو:” العلم الذي يؤرخ للعلاقات الخارجية بين الآداب” . و تقوم دراستها على استقصاء ظواهر عملية التأثير و التأثر بين الآداب القومية المختلفة و رصد الظروف الخارجية التي تحيط بكل من الأديب أو بالعمل الأدبي سواء ؛ التاريخية أو السياسة أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الفكرية أو الروحية و التي تسهم في حدوث ذلك التأثير .

         و لقد وضعت هذه المدرسة شروطا صارمة للدراسة المقارنة ، فلكي تدخل أي دراسة من الدراسات تحت مجال الأدب المقارن لا بد من توافر الشروط الآتية :

– 1/ أن تكون الدراسة بين أدبين قوميين أو أكثر ، و لا تكون إلا في مجال الأدب ، أي أن الدراسة التي تقبل كدراسة تدخل تحت مجال الأدب المقارن ، هي تلك التي تقارن بين الأعمال الأدبية فقط ، فتكون بين عملين ( أدبيين ) أو أكثر ، بشرط توافر الاختلاف في القومية بين هذه الآداب ، و معيار القومية عند هذه المدرسة هو: ( اللغة ) ، فلا تجوز المقارنة بين عملين أدبيين كتبا بلغة واحدة مهما كان الاختلاف العرقي أو الجغرافي أو أي اختلاف آخر ،لأن هذه المدرسة تعتبر أنهما من قومية واحدة و المقارنة بينهما هي من قبيل الموازنة و مجالها هو : النقد الأدبي ، و ليس الأدب المقارن . و بناء على هذا فلا يجوز ـ حسب هذه المدرسة ـ أن نقارن بين عمل أدبي لغوستاف فلوبير ، أوغي دو موباسان الفرنسيين ، مع عمل أدبي كتب باللغة الفرنسية لمحمد ديب، أو كاتب ياسين ، أو مالك حداد ، أو آسيا جبار أو غيرهم من الكتاب الجزائريين الذين يكتبون باللغة الفرنسية ، لأنهم من القومية نفسها أي: (الفرنسية).

-2/ أن يتوفر الـرابط التاريخي بين العملين الأدبيين ، بمعنى أن عملية المقارنة في إطار الأدب المقارن لا تكون إلا بين عملين أدبيين أو أكثر ثبت تاريخيا أن أحدهما قد تأثر بالآخر. فلا يجوز حسب هذا المفهوم مقارنة الأعمال الأدبية حتى و أن كانت تنتسب لقوميات مختلفة   و كتبت بلغات مختلفة و كانت متشابهة ، ما لم يتوفر الرابط التاريخي بينها ، الذي يعد الأهم    و الجوهري و لا تتم الدراسة في إطار الأدب المقارن إلا بتوفره .

– 3/ أن يكون المؤثر أدبا موجبا و المتأثر أدبا سالبا ، إن المدرسة الفرنسية التقليدية قسمت آداب و ثقافات العالم إلى قسمين ؛ قسم موجب و قسم سالب ، و ربطت عملية التأثير و التأثر بحالة الاستعمار، و علاقة الدول المستعمرة بالدول المستعمَرة ، فترى أن أداب و ثقافة الدول المستعمرة هي دائما الأقوى وهي دائما المؤثرة وعلى ذلك يكون أدبها موجبا  ، و أن أدب        و ثقافة الدول المستعمَرة هي الضعيفة ، و بالتالي فهي المتأثرة دائما ، و عليه فقد اعتبرت أن ثقافات و آداب أوروبا الغربية هي الموجبة وبالتالي هي المؤثرة دائما لأنها هي القوية وهي التي تمثل الحضارة ،أما باقي ثقافات وآداب العالم الآخرى ، و خصوصا العربية و الإفريقية فهي تتأثر فقط باعتبارها ضعيفة ولا تمتلك ما تقدمه للآداب القومية الأخرى .

إن من يمعن النظر في الأسس والشروط التي وضعتها المدرسة الفرنسية التقليدية للدراسة المقارنة يلمس بكل وضوح طغيان و تقدم البعد الإيديولوجي فيها عن البعد الأكاديمي العلمي ، لأن تقسيم الآداب و الثقافات العالمية إلى موجبة و سالبة ، و ربطها بعملية الاستعمار، أي 🙁 ثقافة و أدب الدول المستعمرة موجبة، و ثقافة و أدب الدول المستعمَرة سالبة ) ، و جعل الآداب و الثقافات الأوروبية ـ و طبعا على رأسها الثقافة و الأدب الفرنسيين ـ هي الموجبة باعتبارها المستعمرة المالكة للأدب الراقي و الناقلة للحضارة . و الثقافات و الآداب العربية و الإفريقية و الأسيوية هي السالبة لأنها ثقافة و آداب الدول التي ترزح تحت الاستعمار و لا تملك ما تقدمه للآداب القومية الأخرى ، و كذلك ما يتعلق بربط القومية بعنصر اللغة فقط و إهمال كل العناصر الأساسية و الجوهرية الأخرى المشكلة للقومية و التي تعتبر أكثر أهمية من عنصر اللغة ، ليس له مبرر و لم يبن على أي أساس علمي  و إنما بني على أساس أيديولوجي بحت الغرض الأساس منه هو ترسيخ الاستعمار الفكري الأوروبي عموما و الفرنسي خصوصا ، و كذلك خدمة النزعة “المركزية الأوروبية” (Eurozentrismus)  وهي تلك النزعة الأيديولوجية التوسعيّة المتعالية ، التي تخدم مساعي الهيمنة الثقافية الأوروبية و التي شكلت مكونا هاما من مكونات العقلية الاستعمارية الأوروبية في تلك الحقبة التي نشأت فيها المدرسة الفرنسية التقليدية.[13] هذا الأساس والطرح غير العلمي (الأيديولوجي ) بالذات هو الذي عرض ـ في رأيي ـ هذه المدرسة للانتقادات الكثيرة من الفرنسيين أنفسهم قبل غيرهم  و الذين كان على رأسهم المقارني الفرنسي ( رينييه إيتامبل ) الذي رفض و انتقد بشدة هذه الأسس  و المبادئ التي قامت عليها المدرسة الفرنسية التقليدية ، و هو ذات السبب الذي جعل جيلا جديدا من المقارنيين الفرنسيين ينشقون عن تلك الأفكار التي تبنتها هذهالمدرسة ويبتعدون عن تلك المبادئ   و الأسس ( الأيديولوجية ) التي قامت عليها  أمثال : برونيل،P. Brunel  ، و بيشوا Gl. Pichois  ، و روسو A.M. Rousseau.

ثانيا :المدرسة الأمريكية

لم تلتفت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الأدب المقارن إلا في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر[15] ، و يمكن القول أن إرهاصات ظهور الاتجاه الأمريكي في الأدب المقارن ، أو ما يسمى بالمدرسة الأمريكية يعود لسنة 1958 ، حين ألقى الناقد الأمريكي ( رينيه ويلك ) محاضرته التاريخية بعنوان 🙁 أزمة الأدب المقارن ) في المؤتمر الثاني للرابطة الدولية للأدب المقارن الذي انعقد في ” جامعة تشابل هيــل” الأمريكية ، و التي وجّـه من خلالها نقدا لا مثيل له في حدته للمدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن ، محاولا من خلاله نسف كل أسسها و مرتكزاتها .

 و في الحقيقة فقد كان لمقال الناقد الأمريكي ( رينيه ويلك ) ـ الذي نشر لاحقا ـ  وقعا كبيرا في الساحة الأدبية ، و أسال الكثير من الحبر في أوساط المقارنيين ، و كان البداية في رسم التوجه الذي سارت عليه المدرسة الأمريكية بعد ذلك وسار عليه روادها  و بالتحديد رائدها ؛ المقارني  🙁 هنري ريماك ) ، الذي استطاع أن يؤسس المبادئ و المرتكزات التي قامت عليها المدرسة الأمريكية و ذلك بإعطائه مفهوما جديدا للأدب المقارن يختلف اختلافا كبيرا عن المفهوم الفرنسي التقليدي لهذا العلم .

و يمكن القول أن أهم ما ميز اتجاه المدرسة الأمريكية في الأدب المقارن ، هو رفضها لكل ما جاءت به المدرسة الفرنسية التقليدية ، نظريا كان أو تطبيقيا ، و جعلت للأدب المقارن مفهوما جديدا  و دعت إلى أسس جديدة تحكم الدراسة المقارنة تتمثل في :

1-  ضرورة دراسة الظاهرة الأدبية في شموليتها دون مراعاة للحواجز السياسة واللسانية حيث يتعلق الأمر بدراسة التاريخ والأعمال الأدبية من وجهة نظر دولية.

2-  الدعوة إلى تطبيق منهج نقدي في الأدب المقارن، و التخلي عن المنهج القائم على حصر ماتنطوي عليه الأعمال الأدبية من مؤثرات أجنبية، وما مارسته على الأعمال الأدبية الأجنبيةمن تأثير.‏

3-  الدعوة إلى جعل الدراسات المقارنة تدرس العلاقات القائمة بين الآداب من ناحية و بين مجالات المعرفة الأخرى ؛ كالفنون ، و الفلسفة ، و التاريخ ،و العلوم الاجتماعية …الخ.

و يبدو لي أن هروب المقارنيين الأمريكيين من المفاهيم و المبادئ الفرنسية في الأدب المقارن    و رفضهم لمنهجيتها الصارمة في الدراسة المقارنة ، و ابتداعهم لمفهوم جديد لهذا العلم يخالف المفهوم الذي قامت عليه ، هو هروب و رفض منطقي ؛ فالكثير من المبادئ و الشروط التي وضعتها المدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن لا تستند للعلمية و إنما بني أكثرها على منطلقات قومية       أيديولوجية ، و من أهم الانتقادات التي وجهتها المدرسة الأمريكية للمدرسة الفرنسية التقليدية في هذا الشأن هي :

1- تقسيم المدرسة الفرنسية التقليدية لآداب و ثقافات العالم إلى موجبة ، و أخرى سالبة و اعتبار أن آداب العالم كلها ، إما منبثقة عن أو منصبة في بحر الآداب الأوروبية.

2-  افتقاد المدرسة الفرنسية التقليدية لتحديد موضوع الأدب المقارن ، و مناهجه بدقة.

3-  تغليب العناصر القومية على العمل الأدبي في الدراسة المقارنة .

4-  المبالغة في إثبات عملية التأثير و التأثر .

5-  النظر إلى الأدب كجزء من معركة الحصول على مزايا ثقافية ، أو كسلعة من سلع التجارة الخارجية  .

و لكن ، و بالرغم من منطقية هذا الرفض و وجاهة هذه الانتقادات التي وجهتها المدرسة الأمريكية لنظيرتها الفرنسية ، و جعلتها حجة و سببا لرفض المفاهيم و المنهجية التي تبنتها هذه الأخيرة ، إلا أنه في واقع الأمر ـ و حسب ما بدا لي ـ فهنالك أسباب أخرى خفية و جوهرية جدا تنطوي على صراع قومي أيديولوجي ، لم تعلنها صراحة المدرسة الأمريكية ، و هي المتمثلةـ من وجهة نظري ـ في الآتي :

أولا : إن الدراسة التاريخية التي تتبناها المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن لا تتلاءم ـ مطلقا ـ مع طبيعة الولايات المتحدة الأمريكية ، نظرا لحداثة تاريخ هذه الأخيرة ، و لكونها لا تملك تاريخا أدبيا يضاهي التاريخ الأدبي الأوروبي عامة و الفرنسي خاصة .

ثانيا : إن شرط اللغة الذي وضعته المدرسة الفرنسية ، و جعلته إجباريا في أي دراسة مقارنة وربطته بالقومية ، هو شرط لا يتماشى كذلك و طبيعة الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر دولة لا تملك لغة رسمية، من جهة ، و مجتمعها مشكل من العديد من القوميات و الأعراق ، من جهة ثانية  وهو ما يعني أن كل الأعمال الأدبية التي ستنتج في أمريكا بأي لغة من لغات قومياتها ستنسب إلى أدب غير الأدب الأمريكي ، بحيث أنه حتى و إن كتب بالإنجليزية ، مثلا، و هي التي تعد اللغة الوطنية ـ واقعيا ـ فقد يدخل حسب شرط اللغة الفرنسي تحت الأدب الانجليزي ، بحيث لا يمكن مقارنته بأي عمل أدبي انجليزي ، و إن حدث ذلك فإن تلك الدراسة لا تعد دراسة مقارنة و لا تدخل تحت مجال الأدب المقارن ، و إنما هي من قبيل الموازنات و تدخل في مجال النقد الأدبي ، و هذا ما سينسحب على كل أدب مكتوب بأي لغة قومية من اللغات الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية كالإسبانية   و الصينية ، و الفرنسية …الخ  .

ثالثا: إن التقسيم الثنائي للأدب الذي فرضته المدرسة الفرنسية ، وربطت من خلاله ايجابية       و سلبية العمل الأدبي بعامل الاستعمار هو مبدأ لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية  باعتبار أن الأدب الموجب و الراقي هو أدب الدول المستعمرة ، و الأدب السالب هو أدب الدول المستعمرة ، و أدب الولايات المتحدة الأمريكية بموجب هذا المبدأ لن يكون في الريادة .

و بناء على هذه الأسباب يبدو لي أن منظري الولايات المتحدة الأمريكية  من نقاد و مقارنيين قد أدركوا أن الأسس التي وضعتها المدرسة الفرنسية التقليدية و المنهجية التي اعتمدتها في الدراسة المقارنة ، تعتبر عامل إقصاء للولايات المتحدة الأمريكية في ميدان علم الأدب المقارن ، فالتسليم بما جاءت به هذه المدرسة في هذا العلم سيجعل من الولايات المتحدة الأمريكية دولة تابعة لا متبوعة ، و لذلك حاولوا ان ينسفوا كل المرتكزات و المبادئ التي قامت عليها المدرسة الفرنسية التقليدية ، و من أهمها المرتكز التاريخي و القومي  و اللساني .

ثالثا: المدرسة الروسية أو السلافية

يعتبر الاتجاه الروسي أو السلافي أو ما يسمى بالمدرسة الروسية أو السلافية ، و التي ظهرت في روسيا و بلدان أوروبا الشرقية الاشتراكية ، إحدى المدارس المهمة في الأدب المقارن ، و هي مدرسة  مبنية على أساس إيديولوجي كونها مدرسة ولدت من رحم الفلسفة الماركسية ، و هي تلك الفلسفة المادية الديالكتيكية التاريخية الأيديولوجية ، التي ترفض بشدة الفلسفة الوضعية و تعتبرها فلسفة بورجوازية .      و تملك نظرة شمولية للكون وللمجتمع وللثقافة والأدب وتؤمن ” بأن هناك علاقة جدلية بين القاعدة المادية أو البناء التحتي للمجتمع، وبين البناء الفوقي الذي تشكّل الثقافة والأدب أهم مكوناته. وفي نظرتها إلى العلاقة بين البناء التحتي والبناء الفوقي، أي بين المجتمع والثقافة، ترجّح النظرية الماركسية كفّة الطرف الأول، أي البناء التحتي والمجتمع، وترى فيه الطرف الرئيس في المعادلة الجدلية. فالوجود المادي يحدد الوعي الاجتماعي، والبناء التحتي يتحكم في البناء الفوقي، أي في الثقافة والأدب، ويوجه مسارهما”.

فالمدرسة الروسية أو السلافية في الأدب المقارن المبنية على هذه الفلسفة هي مدرسة  لها نسق ثقافي يختلف عن مفاهيم المدرستين السابقتين ؛ الفرنسية و الأمريكية ، في مفهومهما للأدب المقارن، وكذلك في الميادين التي تدخل في مجاله . فبالرغم من أن هذه الأخيرة تلتقي مع المدرسة الفرنسية في النزوع  إلى استخدام المنهج التاريخي في الدراسات المقارنة  ، إلا أن أهداف و نتائج كل منهما ليست واحدة في ذلك ، فالمدرسة الفرنسية تستعين بالمنهج التاريخي لإثبات عملية التأثير و التأثر بين الآداب بمعزل عن القوانين المتحكمة في تطوره، “بينما الماركسيون يستخدمون المنهج التاريخي لإثبات دور المجتمع والصراع  الطبقي في تشكيل الأدب وظهور أجناسه فإذا تشابهت عندهم الظروف الاجتماعية في عدد من البلدان،  سيؤدي ذلك التشابه الاجتماعي إلى ظهور أدب متشابه، ومن هنا أصبحت الدراسات الأدبية المقارنة موجهة كغيرها من المجالات المعرفية  لإثبات مدى تحكم الظروف الاجتماعية، وتأثيرها.

 و يمكن القول بأن أهم ما نادت إليه هذه المدرسة ، من خلال رصد أفكار و نظريات منظريها  فيما يتعلق بالدراسات المقارنة يتجلى في الآتي :

1- ضرورة الاهتمام بالصراع الطبقي والصراع الإيديولوجي باعتباره المؤثر الأكبر في عملية استقبال أي مجتمع من المجتمعات للموضوعات الأجنبية.

2-    الدعوة إلى دراسة التشابهات و الاختلافات النمطية و الابتعاد عن تقاليد المدرسة الفرنسية في مفهومها للتأثير و التأثر .

3-  ربط الثقافي و التاريخي و الجمالي  بنظام روحي لكل شعب ، وعدم إهمال الفروق القومية بين الثقافات والنظر إليها بكل موضوعية.

4-  تجنب الأحكام المسبقة على أي ثقافة إلا بعد دراسة تطوراتها وعلاقاتها
بغيرها من الثقافات في تطورها التاريخي.

5-  ضرورة ربط المقارنة الأدبية بالمكون الاجتماعي للأدب

قائمة المصادر والمراجع:

1- كلود بيشوا ، أندريه .م روسو، الأدب المقارن ، ترجمة : د. أحمد عبد العزيز، ط3 ، مكتبة الأنجلو المصرية ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، 2001 .

2- محمد غنيمي هلال ،الأدب المقارن ، ط 5 ، دار العودة ودار الثقافة ، بيروت ،لبنان ،1981.

3 – أنظر ، أحمد درويش ، نظرية الأدب المقارن ، و تجلياتها في الوطن العربي ، دار غريب للطباعة و النشر     و التوزيع ،القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، 2002.

4- محمد غنيمي هلال، الأدب المقارن، ط13 ، دار العودة، ،بيروت، لبنان ، 1987.


شارك الموضوع مع أصدقائك

0

هل أعجبك الموضوع ؟

موضوع مفيد موضوع مفيد
0
موضوع مفيد
موضوع غير مفيد موضوع غير مفيد
0
موضوع غير مفيد
يحتاج الى تعديل يحتاج الى تعديل
0
يحتاج الى تعديل

تعليق عبر فيسبوك

تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *