fbpx

نظرية المرفق العـــام وقضية بلانكو

القانون الاداري


0

1-مقدمـــة :

ان التطور الذي عرفه المجتمع الفرنسي في اواخر القرن 19 ادى الى هجرة السلطة العامة السائدة انذاك على اعتبار انها كانت السلطة المطلقة .

 فلقد كانت  تلك الفكرة ( هجرة السلطة ) كافية لتبرير تطبيق قواعد القانون الإداري حينما كانت الدولة الفرنسية تملك بيدها كل الامتيازات الضرورية لممارسة وظائفها ، وكان دورها  ينحصر بالاساس  في  الدفاع عن سلامة الدولة خارجيا و داخليا  و تسير مرافق الجيش و الشرطة و القضاء و بعض المرافق الاخرى المحدودة ،  و التي كانت تخضع في تسييرها اما عن طريق مقتضيات القانون الخاص او عن طريق الامتياز .

لكن بعد تحول المجتمع الفرنسي  من قروي يعتمد أساسا على القطاع الفلاحي إلى مجتمع متمدن حيث أصبح القطاع الصناعي يتوسع بسرعة و جدت الدولة نفسها مضطرة لان تخرج من هدا النطاق الضيق التي وضعتها فيه الثورة الفرنسية لتقدم للأفراد خدمات أساسية و ضرورية كالتعليم و التطبيب و الخدمات الاجتماعية المختلفة في صورة مشروعات عامة تنشئها  و تسيرها الدولة او تعهد هده الأخيرة بتسييرها الى الخواص بما يكفل أداءها للغرض الذي من اجله أنشئت ، و هنا ظهرت حاجة الإدارة لقانون  اخر مستقل عن القانون الخاص، و مرد ذلك إلى البحث عن مقتضيات قانونية أخرى من اجل حسن تسيير هذه المرافق العامة ، و قد تبين بالتجربة ان هذه المرافق لا يمكن ان تحقق غايتها الا بسيرها سيرا منتظما و لن يتم ذلك الا بعد تحريرها من قواعد القانون الخاص التي تعيق تحقيق ذلك.

و عليه فان فكرة المرفق العمومي ظهرت للوجود في أواخر القرن التاسع عشر و انه بحلول القرن العشرين استطاعت هذه الأخيرة فرض نفسها كأساس لتطبيق قواعد القانون الإداري ، و بفضل هذا الأخير تم حل مجموعة من النزاعات الكبرى التي لها ارتباط بالمرفق العمومي و نشاطه عن طريق القضاء الإداري .

2- النظريــــة العامـــة للمرفــق العـــام .

أ- مفهوم نظرية المرفق العام

 حسب الفيلسوف دوكي  Duguit المختص في علم الاجتماع و المعتبر احد رجالات القانون،  هذا الفيلسوف كان له الفضل في صياغة نظرية  مفهوم المرفق العام ، بحيث اعتبر أن المرفق العام يحكمه نظريتين أساسيتين أولها  النظرية العضوية او الشكلية و ثانيها النظرية الوظيفية او المادية.

أولا : النظرية العضوية آو الشكلية ( الأجهزة )

ان النظرية  العضوية او الشكلية او ما يعبر عنه بالأجهزة  العمومية  هدفها الجهاز او الهيكل الذي يمارس النشاط أي ان المرفق العام هو جهاز عام يقوم بتحقيق نشاط معين.

أما الأستاذ هوريو  HAURIOUيقول ان المرفق العام هو جهاز عام لما له من سلطة و صلاحية و تقاليد يتولى القيام بها بخدمة محددة للجمهور بشكل منتظم و مستمر .

و يستنتج من هذه النظرية ان المرفق العام ما هو الا جهاز او هيكل  يعمل بشكل  منتظم و مستمر قصد تحقيق نشاط معين للجمهور .

ثانيا :  النظرية الوظيفية أو المادية  ( نشاط الإدارة )

ان النظرية الوظيفية او المادية ترتكز على النشاط الذي يقوم به المرفق دون الهيكل التنظيمي ،عكس النظرية الشكلية التي تعتمد على الأجهزة و الهياكل قصد تحقيق نشاط معين للأفراد ، فجوهر النظرية الوظيفية او المادية  ترتكز على أن المرفق العام نشاط معين تقوم به  الإدارة لتحقيق المصلحة العامة .

و من رواد هذه النظرية الأستاذ جيز JEZE  الذي اعتبر ان المرفق العام هو كل نشاط إداري موجه لتحقيق حاجة ذات مصلحة عامة يمكن تحقيقها في إطار نظام القانون العام فهو إذن ارتكز على النشاط الموجه لخدمة الأفراد دون الهيئة التي تمارس النشاط سواء كانت هذه الهيئة عامة أو خاصة .

ب- تطــــور نظريـــة المرفــق العــام

لقد ارتبط مفهوم المرفق العام في بداية ظهوره بمفهوم  السلطة العامة تبعا للمفاهيم التي كانت سائدة  في ذلك الوقت ، ففي تلك المرحلة كان أساس تطبيق القانون الإداري يستند الى فكرة السلطة العامة لان السلطة السياسية تمسك كل الامتيازات الضرورية لتمارس الإدارة مهامها ، و من تم كان من الطبيعي ان تخضع لنظام قانوني متميز يساعدها على أداء وظيفتها ( القانون الإداري ) و الذي ينبغي ان يتضمن شروطا و أوضاعا غير مألوفة في القانون الخاص .

إلا أن هذه الوضعية انتقدت من طرف الفقه و القضاء ، وأصبح أساس تطبيق القانون الإداري لا يكمن في السلطة العامة ، و انما في المصلحة العامة لان الدولة لم تعد تجسم مظهر  السلطة و القوة فقط  ، بل أصبحت رمز التماسك و التضامن الاجتماعي ، و أنها ( الدولة ) منبع الخدمات الاجتماعية التي يحتاج إليها المواطنون  من جهة .

و من جهة أخرى يوجد جزء كبير من النشاط الإداري غريبا عن فكرة السلطة العامة و يمكنه ان يخضع للقانون الخاص ، بمعنى انه يوجد مفهوم جديد بمقتضاه اصبح المرفق العمومي يشمل كل أنواع الأنشطة الإدارية و لم يعد مقتصرا على الفكرة الضيقة المتمثلة في السلطة العمومية .

و بذلك يكون مفهوم المرفق العام منذ ظهوره قد تعرض لتطورات عميقــة و هامــة جعلت لغموض و الالتباس من السمات المميزة لهذا المفهوم ، مما جعل المهتمون يصادفون صعوبات كبيرة لصياغة

تعريف دقيق و محدد للمرفق العمومي ، و حاولوا الاعتماد على معطيات التي كانت سائدة انذاك و تحليل الاختيار السياسي المتبع من طرف الدولة ، ووجدوا انه كلما توسعت وظيفة الدولة لتشمل نشاطات مختلفة كلما ازداد المشكل تعقيدا بسبب ظهور أنواع جديدة من المرافق العمومية ، و يصعب إخضاعها  للمعايير السابقة.

و قد كان لابد من اللجوء الى القضاء الإداري لإيجاد معايير أخرى غير التي تم سردها أعلاه فكيف تعامل القضاء الإداري الفرنسي مع نظرية المرفق العام ؟ و ما هي الأسس و المبادئ التي جاء بها ؟

3- الاجتهـــادات القضائيــة و دورها في إرساء  مفهوم نظرية المرفـــق العام .

 يعتبر القانون الإداري قانون قضائي في جوهره ، ذلك ان معظم مبادئه و نظرياته الأساسية لم تكن ناتجة عن نصوص تشريعية و إنما نشأت عن طريق القضاء الإداري الذي كشفها و أعلن عن وجودها في أحكام مختلف ، فحينما رفض القضاء الإداري أن يطبق القانون العادي لا سيما القانون المدني تطبيقا آليا على قضايا الإدارة  لم يكن أمامه نص تشريعي ، فاستحداث مجموعة من المبادئ القانونية التي كون بها قانونا إداريا مستقلا عن القانون المدني او القانون الخاص  .

و القضاء الفرنسي كان رائدا في هذا المجال و خاصة محكمة التنازع و مجلس الدولة ، حيث عمل هذا الأخير على اكتشاف مبادئ هامة في حل مجموعة من النزاعات التي تكون الدولة او احد هيئاتها طرفا في النزاع ،و هذا ما أكده حكم بلانكو الشهير و كذا باقي الأحكام و القرارات المؤيدة له.

4- ما جاء به حكم  بلانكو الصادر عن محكمة التنازع بتاريخ 08/02/1873

لقد احتلت فكرة المرفق العام مكانا بارزا في خلق قواعد القانون الإداري عندما أدى التطور الذي طرأ على المجتمع الفرنسي إلى جهرة فكرة السلطة العامة كأساس للقانون الإداري ، إلا ان هذا مصطلح المرفق العام كان يستعمل بكثرة من قبل الاجتهاد القضائي الفرنسي  بدون ما يكون محتواه محددا بالدقة و لم يتأت ذلك إلا بعد صدور حكم بلانكو .

– وقائـــع و منطـــوق الحكـــم :

1- موجــــز الوقائــــــــع:

تتلخص وقائع قضية بلاكو في وجود مصنع فرنسي للتبغ بمدينة بوردو يضم هدا الأخير بنايتين يفصل بينهما شارع ، و كانت البضاعة تنقل من المصنع الى المخزن عبر هذا الشارع بواسطة عربة يدفعها أربعة عمال تابعين للمصنع و صادف ان صدمت إحدى هذه العربات ” انيس بلانكو”  طفلة السيد بلانكو و عمرها أنداك 5 سنوات فانكسر ساقها، مما دفع بوالد الضحية الى رفع دعوى التعويض  امام المحاكم العادية ضد الدولة  اعتمادا على المواد 1382 الى 1384 من القانون المدني الفرنسي ، فعرضــــت

القضية على محكمة التنازع للفصل في طبيعة الدعوى هل هي مدنية ام ادارية ؟ بمعنى هل هي من اختصاص المحاكم العادية أم من اختصاص المحاكم  الإدارية ؟.

2- منطــــــوق الحكـــــــم:

قضت محكمة التنازع باختصاص السلطة الإدارية أي مجلس الدولة الذي لم يكن هيئة قضائية مستقلة عن الإدارة في ذلك الحين أي أن المحكمة أكدت التنازع مسندة الاختصاص الى القضاء الإداري للفصل في النزاع .

3- التعليـــــــــــق:

يعتبر موضوع مسؤولية الدولة من أهم موضوعات القانون الإداري و يثير عدة مشاكل قانونية منها تحديد القاضي المختص بالنظر في هذا النوع من الدعاوى و كذا القانون الواجب التطبيق و المعيار المعتمد لذلك و طبيعة قواعد مسؤولية الدولة ، هل هي مستقلة عن قواعد المسؤولية المدنية ام لا ؟ و حدود هذه المسؤولية ؟  للتعليق على هذا الحكم  سنتبع الخطة التالية :

4- الإطـــار العــــام لحكـــم بلانكـــو:

المبدأ الذي كان سائدا قبل صدور حكم بلانكو هو عدم مسؤولية الدولة باعتبارها صاحبة السلطة العامة و السيادة عملا بالقول المأثور ” الملك  – او الدولة ممثلة في شخصه – لا يخطئ”  . غير أن هذا المبدأ بدأ يندثر شيئا فشيئا و بدأت تتقرر مسؤولية الدولة و أصبح القضاء العادي بعد صدور قانون  16 – 24 شهر غشت 1790 يميز بين أعمال السلطة و أعمال الادارة  و يخضع أعمال الإدارة لاختصاصه دون أعمال السلطة التي كان الاختصاص بالنظر في المنازعات المتعلقة بها موكولا للإدارة باعتبارها  قاضية  « l’administration-  juge » .

غير انه بصدور قانون 24 ماي 1872 أصبحت المنازعات الإدارية من اختصاص مجلس الدولة ، و قد صدر حكم بلانكو في 08/02/1873 ايدانا بمرحلة جديدة في تحديد الجهة المختصة بالمنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها ، حيث عهد بالنظر في هذه المنازعات للقضاء الإداري الذي سيطبق عليها قواعد القانون الإداري و ذلك متى اتصلت المنازعة بمرفق من مرافق الدولة .

5- المبــــادئ التـــي جــاء بهـــا حكـــم بلانكــو:

لقد أرسى حكم بلانكو مجموعة من المبادئ و التي يمكن اعتبارها علامة في تاريخ القانون الإداري الفرنسي و هي كالتالي :

أ – ربـــط الاختصــاص بالقانــون الواجــب التطبيــق:

  القانون الواجب التطبيق هو الذي يحدد الاختصاص ، فكلما كانت القواعد القانونية الواجبة التطبيق ذات طبيعة خاصة غير تلك التي يقررها القانون المدني فان الاختصاص يكون للقضاء الاداري و هو ما جاء به  حكم بلانكو  الشهير .

ب-  فكرة المرفق العام كمعيار لتطبيق قواعد القانون الإداري:

لقد وضع حكم بلانكو ضابطا جديدا للتمييز بين القضايا التي تطبق عليها قواعد القانون الإداري و القضايا التي تطبق عليهـــا قواعد القانون المدني و هذا الضابط هو ارتباط المنازعـــة بالمرفـــق العام   و مناط إخضاع قضية الطفلة بلانكو  للقضاء الإداري هو كونها ترمي الى إقرار مسؤولية الدولة عن الضرر الذي ألحقته عربة مملوكة لمصنع التبغ التابع للدولة  بالطفلة و عليه تكون المحاكم الإدارية مختصة في النزاع إذا كان هذا الأخير متعلقا بمرفق عام .

و عليه  فان مسؤولية الإدارية أصبحت قائمة بعد صدور حكم بلانكو  و يعود الفضل له في ابتكار الحلول  الناجعة بسبب إثارة مسؤولية المرافق العامة عن نشاطها الضار بحقوق الخواص .

ج –  مسؤولية الدولة ليست عامة و لا مطلقة: 

ان صدور حكم بلانكو جاء في وقت لم تكن مسؤولية الدولة واردة على الإطلاق او على الأقل كانت هذه المسؤولية مقررة لكن في حدود ضيقة جدا ، و لم يكن من الممكن تقرير هذه المسؤوليــة بيـــن عشية    و ضحاها بالشكل عام و مطلق ، و لذلك تم إقرار هذه المسؤولية في حدود ضيقة للغاية .

وهو ما عبر عنه مفوض الدولة في تقريره عن  هذه القضية الى  ” ان الدولة تقوم بتسيير المرافق العامة للمصلحة العامة ويجب ان ياخد بعين الاعتبار اتساع مجال هذه المرافق و تنوعها ، و تنوع علاقات الأفراد بالدولة بناءا على ذلك ، الشيء الذي يحد من حرية الإدارة في العمل …….” ، و كان هذا الفهم هو السر الكامن وراء موقف مجلس الدولة في اعتماد مجموعة من النظريات الحادة  من نطاق و مدى رقابة القضاء لبعض أعمال الإدارة مثل أعمال السيادة و السلطة التقديرية للإدارة و اشتراط حدوث خطأ جسيم لمسائلة الموظف في مجال الشرطة الإدارية …..الخ.

  وبذلك تكون محكمة التنازع الفرنسية بموجب قرار بلانكو قد قررت من جهة مسؤولية الدولة عن الأضرار الناجمة عن المرافق العامة ، و من جهة أخرى اختصاص القضاء الإداري بالفصل في المنازعات المتعلقة بها.

خاتمـــــــة

كل ما يمكن قوله ان القضاء الفرنسي كان رائدا في صنع و اكتشاف  و ابتكار مجموعة من المبادئ التي يقوم عليها القانون الإداري و قد لعب دورا بارزا حينما فتح للإفراد إمكانية مقاضاه الإدارة و الحصول تبعا لذلك على حقوقهم المشروعة ، انه افتخار بالقضاء الإداري الفرنسي ، و لن تفوتنا الفرصة من أن نهيب بالقضاء المغربي خاصة و القضاء العربي عامة بان يحدو حدوا صنوه القضاء الفرنسي و يصدر قرارات جريئة ، كما نهيب كذلك بكل متضرر من تصرفات الإدارة اللجوء الى القضاء الإداري حتى يتأتى صنع قاعدة قانونية . و في هذا الصدد فإننا ننتظر كلمة القضاء الإداري المصري فيما يتعلق بقضية قنوات الغاز الرابط بين مصر و اسرائيل .

المراجع المعتمدة:

المرافق العامة الكبرى الدكتور احمد بوعشيق الطبعة الأولى 1995 .

المرافق العامة الكبرى الدكتور محمد نشطاوي الطبعة الأولى 2002.

المرافق العمومية الكبرى دراسة نظرية و تطبيقية الدكتور عبد الله حداد منشورات عكاذ .

القانون الإداري العملي الجزء الأول : مفاهيم أساسية و إرشادات عملية الطبعة الأولى 2001  الأستاذ احمد البخاري.

القضاء الإداري –  الأسس العامة و التطور التاريخي الطبعة الأولى 1988 الدكتور عبد القادر باينة .


شارك الموضوع مع أصدقائك

0

هل أعجبك الموضوع ؟

موضوع مفيد موضوع مفيد
0
موضوع مفيد
موضوع غير مفيد موضوع غير مفيد
0
موضوع غير مفيد
يحتاج الى تعديل يحتاج الى تعديل
0
يحتاج الى تعديل

تعليق عبر فيسبوك

تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *