fbpx

تطورات وتحديات النظام الاقتصادي الجزائري في ظل النظام العالمي الجديد

اقتصاد


0

الاقتصاد الجزائري في ظل النظام الاشتراكي :  

1 اختيار النظام الاشتراكي و اتباع نظام المخططات : 

   إن رفض الجزائر للنظام الرأسمالي كان منذ وقت مبكر وهو ما أقره بيان 1954 وهذا الرفض لم يكن عفويا . فقد اعتبرت هذا الأسلوب مرادفا للاستعمار الذي ضحى الشعب الجزائري بالكثير من أجل محاربته وهدم بنيانه , ولا غرابة في ذلك ما دامت القوة التي كانت الجزائر تحاربها بالسلاح لم تكن متمثلة فقط في الاستعمار الفرنسي و انما كانت دعائمها هي دول الحلف الأطلسي التي يجمعها نظام اقتصادي واحد هو النظام الرأسمالي.

ونتيجة لرفض الجزائر للنظام الرأسمالي تم اختيار النظام الاشتراكي وهو اختيار لم يكن عفويا هو الآخر . فالعون المادي لدى البلدان الاشتراكية وتعاطف حكوماتها مع الثروة المسلحة بالإضافة  إلى الميل النفسي أيضا للإنسان الجزائري نحو النظام الاشتراكي لأنه نظام يقدس العمل كوسيلة لكسب الحلال وعلى مبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات وعلى مبدأ التضامن الاجتماعي في الحياة  , تعتبر عوامل دفعت بالجزائر إلى اختيار هذا النظام الاشتراكي .

أما من الجانب الاقتصادي فان هذا الاختيار مبنى على أساسين هما :

-إن إمكانيات القطاع الخاص الوطني (المالية و الفنية ) ضعيفة و عاجزة عن إحداث التنمية

– الخوف من خضوع السوق لاستغلال أجنبي إذا ما ترك تنظيم الاقتصاد لقانون السوق مما ينتج عنه تنامي طبقة طفيلية تكون مجرد آلة استغلال اجتماعية للجمهور الواسع من الشعب .

و أدى اختيار الجزائر منهج العمل الاشتراكي في التنمية اقتصادها الوطني إلى ضرورة تطبيق أسلوب التخطيط لأداء العملية الاقتصادية و كان أول مخطط أقرته هو المخطط الثلاثي 1967 / 1969 ثم المخطط الرباعي الأول 1970 / 1973 ثم المخطط الرباعي الثاني1974 / 1977 ثم المخطط الخماسي الأول1980 / 1984 و آخر مخطط تبنته الجزائر هو المخطط الخماسي الثاني 1985/ 1989 .

2: تطور نظام التخطيط في الجزائر : 

لقد تميز نظام التخطيط بتطورات هامة تمثلت على  الخصوص في ما يلي :

1) الطابع المركزي للتخطيط الذي ميز مرحلة المخططين الأول و الثاني (1967 / 1973 )

2) التوجه المركزي الديمقراطي للتخطيط حيث تم إشراك الجماعات المحلية في تحضير المخططات وفي تسيير برامج استثمارية قطاعية و تجسد الطابع المركزي لنظام التخطيط هذا بوضوح في المادة الثانية , الفقرة الثانية من قانون المخطط الخماسي الثاني ” يسطر و ينظم برامج الأعمال الرامية إلى دعم التكفل بتطلعات الأمة و تلبية مقتظيات بناء اشتراكية و تدعيم الاستقلال الاقتصادي للبلاد “

3) التخطيط اللامركزي الذي جاء مع الإصلاحات الاقتصادية المعبرة عنها بسياسة استقلالية المؤسسات و تجسد أسس هذا النظام الجديد في القانون رقم 88 – 20 الصادر بتاريخ 13/ 01 / 1988 و المتعلق بالتخطيط .

وتنص المادة السادسة من نفس القانون على أن المبادئ التي يقوم عليها هذا النظام هي ” أن المحاور القيادية لتنظيم الاقتصاد و تسييره المنبثقة من نظام التخطيط محاور تعتمد على إعداد ديمقراطية للمخططات وعلى احترام المسؤوليات الشرعية و التنظيمية عبر تقييم للعمل يضمن استقلالية تسيير كل متعامل في مجال إنجاز أهدافه المحددة في المخطط الدوري ” (2)

3 – وضعية الاقتصاد الجزائري في نهاية الثمانينات و بداية التسعينات :  

                عرف نظام التسيير في هذه المرحلة اختلالات توازنية الكبرى يمكن تقسيمها الى:

أ – الخلل التوازني في تسيير التنمية : اتكأ سير التنمية في المرحلة الأولى من التخطيط من سنة 1967 إلى سنة 1979 على الاستثمار و استخف بقواعد التسيير الاقتصادي لحساب قواعد التسيير الاجتماعي , أما المرحلة الثانية من سنة 1980 إلى سنة 1989 على تحسين مستوى التسيير تحت شعار تثمين الطاقة مع إهمال واضح لحركة الاستثمار الإنتاجي .

ب- الخلل التوازني في تسيير التجارة الخارجية : لقد كانت هيمنة المحروقات على الصادرات واضحة حتى أصبحت المورد المالي الخارجي الأحادي الجانب حيث بلغت نسبة المحروقات من الصادرات 97 % و تعبر هذه النسبة على عجز السياسة الاقتصادية عن تنويع الإنتاج الوطني , أما فيما يخص الواردات فاستمرت تبعية التنمية للخارج نسبة 80من وسائل الاستثمار و من المعرفة  التقنية و التكنولوجيا.

ج- الخلل التوازني في استراتيجيات التنمية المطبقة في مجال تعبئة الموارد الوطنية المتاحة سواء كانت مادية أو مالية أو بشرية وهذا راجع إلى سوء تقدير أهمية القطاع الخاص الوطني المحلي و الخارجي , وهي استراتيجية تنموية أهملت إمكانيات القطاع الخاص و اعتمدت كثيرا على إمكانيات القطاع العام.

ومن خلال تتبعنا للنتائج التي حققتها الجزائر إلى غاية بداية التسعينات نستنتج أن أهم العوامل التي أضعفت الاقتصاد الجزائري هي التبعية الاقتصادية وتفاقم أزمة الديون الخارجية نتيجة الاستيراد المكثف لسلع الاستهلاك النهائي في بداية الثمانينات تحت شعار ” من أجل حياة أفضل ” بالإضافة إلى ضخامة الجهود الاستثمارية وخاصة الاستثمار في المجال الصناعي و الاعتماد على الصناعات الثقيلة .

– الإصلاحات الاقتصادية في ظل النظام العالمي الجديد :

                إن تفاقم أزمة المديونية واعتماد الجزائر على النفط في حصيلة إيراداتها زاد من حدة الاستجابة للصدمات الخارجية و في ظل ميلاد نظام دولي جديد – العولمة – ارتبطت آلياته في وجهها الاقتصادي بالمؤسسات العملاقة للتمويل و أبرزها صندوق النقد الدولي و البنك العالمي . نتيجة لاتجاه تفكير الحكومات الجزائرية المتعاقبة إلى الحلول المستوردة التي يقترحها كل من البنك العالمي وصندوق  النقد الدولي  محاولة منها لتسكين الأزمات المتنامية بادرت الجزائر إلى اتصالات مع هاتين المنظمتين وهكذا دخلت في تطبيق برامج للإصلاح الاقتصادي تعتمد أساسا على الحلول المستوردة وخاصة تلك التي يفرضها صندوق النقد الدولي.

1 : مفهوم النظام العالمي و دور المؤسسات الدولية في تدعيمه:

                في بداية العقد الأخير من القرن العشرين شهد العالم موجة جديدة أطلق عليها اسم العولمة الاقتصادية ، وبمرور الزمن تزايدت الدعوة لها حيث بدأت ملامح و مرجعيات وخصائص هذه الظاهرة تتسارع لتشكل الهندسة الجديدة لاقتصاد القرن الحادي و العشرين , وإذا كانت العولمة الاقتصادية قد ولدت مع بدية عقد التسعينات فإن جذورها تعود إلى عودة المدرسة الاقتصادية الليبرالية الجديدة مع بداية الثمانينات .

إن العولمة الاقتصادية كظاهرة لتطور النظام الرأسمالي تعني الانتقال من الاقتصاد الدولي الذي تتكون خلاياه القاعدية من اقتصاديات متنافسة و متمركزة على الذات إلى الاقتصاد العالمي القائم على النظم الاقتصادية و المؤسسات الاقتصادية الكونية وعلى سلطة القرار الاقتصادي الكوني .

لذا فإن العولمة بهذا المعنى تصنف ضمن مرحلة متقدمة من مراحل تطور الرأسمالية بما يهدف إلى تحقيق وحدة العالم الاقتصادية , منظورا إليها من وجهة الرأسمالية نظام اقتصادي عالمي قائم على آليات السوق الرأسمالية كعلاج شاف لكل مشاكل الكون الاقتصادية , أي بمعنى تحقيق الطابع العالمي الرأسمالي كنظام اقتصادي عالمي متكامل , وهي بهذا المعنى نزوع للهيمنة على الطريقة الإمبراطورية , أي أنها غير مرئية , بحيث تحددها طبيعة عمل شبكات الهيمنة العالمية على الاقتصاد . وهذا ما يضفي عليها بعدا آخر يستهدف كيانات الدولة والوطن و الأمة , فإذا ما تم سحب هذه الكيانات الثلاثة , تتحقق هيمنة الإمبراطورية العالمية . وأساس هذا النظام تعميم الديمقراطية الليبرالية , ويقوم على أربع عمليات أساسية هي :

المنافسة بين القوى العظمى و الابتكار التكنولوجي و انتشار عولمة الإنتاج و التبادل و التحديث و في الواقع ما هي إلا عمليات تمثل حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء وهو تحول يقوم على تعميم الديمقراطية الليبرالية وتتجلى العولمة في المجال الاقتصادي في :

1-     نمو وتعمق الاعتماد المتبادل بين الدول و الاقتصاديات الوطنية .

2-     وحدة الأسواق المالية .

3-     تعميق المبادلات التجارية .

4-     إنشاء المنظمة التجارية العالمية .

5-     التكتلات الاقتصادية العالمية .

6-     نشاط الشركات الدولية .

7-     نشاط المؤسسات الدولية الاقتصادية (البنك العالمي , صندوق النقد الدولي…. إلخ )

8-     حل مشكلة الديون الخارجية .

* دور المؤسسات الدولية في تدعيم النظام العالمي الجديد : 

                يقول أحد الباحثين في طبيعة العلاقة بين صندوق النقد الدولي و البنك الدولي : ” وفي الواقع تتجسد طبيعة العلاقة بين هاتين المنظمتين الدوليتين في كونهما أهم الأدوات التي أوجدت لصيانة النظام الإقتصادي العالمي الحالي و ضمان إستمراريته , وهذا يعني أنهما ينتميان إلى ايديولوجية واحدة و أن سياستها تأخذ مسبقا صيغة تتفق مع مبادئ هذا النظام و أهدافه “

انطلاقا من هذا القول يتضح لنا الدور الكبير الذي لعبه و يلعبه كل من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي في تدعيم النظام العالمي الجديد .

ففيما يخص صندوق النقد الدولي الذي كأكبر مؤسسة مؤثرة في النظام النقدي الدولي و ما أصبح يلعبه من دور خطيرا في إدارة أزمة المديونية العالمية حسب رؤيته الخاصة التي تعكس مصالح الدائنين فإنه انتهج فرض سياسة إدخال إصلاحات هيكلية و برامج الاستقرار كمدخل لدمج اقتصاديات الدول المدنية في النظام الرأسمالي العالمي في مقابل استفادة هذه الدول من مساعدات جديدة و إعادة جدولة الديون السابقة .

وتمثلت أهم السياسات و النصائح التي يقدمها صندوق النقد الدولي من أجل ادخال إصلاحات هيكلية و برامج الاستقرار في :

  • تخفيض سعر صرف العملة الوطنية اتجاه العملات الأجنبية .
  • تحرير الإستراد من جميع القيود
  • تخفيض الإنفاق العام .
  • إلغاء دعم المواد الأساسية .
  • زيادة موارد الدولة عن طريق زيادة الضرائب و الرسوم .
  • وضع إجراءات للحد من عرض النقود وتنمية السوق النقدي و المالي .

أما البنك العالمي فإن تأثيراته على اقتصاد الدول التي تطلب المساعدة فتظهر من

خلال تدخلاته في الشؤون الداخلية عن طريق الدراسة التي يقوم بها خبرائه على اقتصاد الدول التي تطلب المساعدة , كدراسة متوسطة نصيب الفرد من الدخل القومي و احتمالات تطوره , وحصيلة الدولة من النقد الأجنبي و مصادر الاقتراض و القواعد للضريبية ودراسة الهيكل الجمركي و التعريفات المفروضة و مصادر الطاقة و حجم الاعتماد على الخارج في مجال الغذاء …

                وعلى ضوء هذه الدراسة يقوم البنك بفرض توجيهات وبرامج في ظل فلسفة البنك التغريبية الليبرالية و من أهم توجيهات البنك ما يلي :

  • تشجيع الاستثمار الأجنبي و توفير الشروط و الضمانات اللازمة لذلك .
  • حرية التجارة و الاعتماد على قوى السوق و المنافسة .
  • تشجيع القطاع الخاص المحلي و الأجنبي .
  • التخلص من القطاع العام عن طريق ما يدعى بالخصخصة .
  • إلغاء الدعم الحكومي للأسعار .
  • تشجيع السياسات المتجهة للتصدير .

وإلى جانب هاتين المنظمتين نجد المنظمة العالمية للتجارة التي ستكمل الدور الذي تقوم به حاليا المؤسسات المالية و النقدية الدولية في إدارة الاقتصاد العالمي و توجيه السياسات الاقتصادية للبلدان النامية بصورة تضمن العولمة القسرية للمذهبية الرأسمالية بموجتها الليبرالية الجديدة , ويتضح ذلك من خلال أحد مهام المنظمة العالمية للتجارة التي نصت عليها المادة الثالثة من مواد اتفاقية التأسيس وهي ” التعاون و التنسيق مع صندوق النقد الدولي و البنك الدولي و المؤسسات المرتبطة بهما من أجل توجيه وضع السياسات الاقتصادية على المستوى الدولي ولاشك أن هذه المهمة لن تكون صعبة لما تقوم به هذه المنظمة بدور كبير في الإشراف على تطبيق الاتفاقيات التجارية و مساهمتها في تنظيم المفاوضات التجارية المتعددة الأطراف .

2 : محاولات الإصلاح الأولى:

على خلفية النظام العالمي الجديد و ارتباطه من الناحية الاقتصادية بالمؤسسات العملاقة للتمويل الدولي و أبرزها صندوق النقد الدولي و البنك العالمي اللتان قامتا بالإشراف و الإدارة لعمليات إدماج مستمرة لاقتصاديات الدول المنفردة في دائرة الاقتصاد العالمي وذلك من خلال برامج الإصلاحات الهيكلية و المالية و الخصخصة ,ومع تزايد الصعوبات الاقتصادية و الاجتماعية وعجز الدولة على دفع أعباء ديونها الخارجية والرغبة في إعادة الجدولة لجأت إلى صندوق النقد الدولي و البنك الدولي فوقعت رهينة لأهدافها ومفادها أن مشكلات البلدان النامية لا يمكن أن تحل إلا بتغيرات أساسية في سياستها و هياكلها الاقتصادية والتكيف مع التغيرات التي طرأت على الاقتصاد الرأسمالي العالمي , وما يقتضي الانفتاح أكثر على العالم الخارجي و تحرير التجارة الخارجية .

وتجدر الإشارة هنا أن التحولات الاقتصادية الليبرالية في الجزائر بدأت قبل تدعيم التعاون مع صندوق النقد الدولي بعد التجربة الفاشلة في ظل المنهج الاشتراكي ومحاولات الإصلاح في بداية الثمانينات التي كانت تأكد و تراهن على المنهج الرأسمالي (الليبرالي ) في علاج أزمات الاقتصاد الجزائري من خلال منح الاستقلالية للمؤسسات.

ولقد تأكدت هذه التحولات بعد تعاظم دور صندوق النقد الدولي في توجيه الاقتصاد الوطني في أواخر الثمانينات و يعتبر خطاب الولاء الذي أرسله وزير المالية الجزائري للمدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي في مارس 1989 تأكيد واضح للجزائر على الالتزام بالتحولات الليبرالية التي ترتكز على برنامج صندوق النقد الدولي و الذي أكدت على : ” المضي في عملية اللامركزية الاقتصادية تدريجيا , وخلق البيئة التي تمكن من اتخاذ القرار على أساس المسؤولية المالية و الربحية و الاعتماد الكبير على ميكانيزم الأسعار بما في ذلك سياسة سعر الصرف ” كما أكدت مذكرة الحكومة بأن العنصر الأساسي في الإصلاح الاقتصادي هو توسيع دور القطاع الخاص .

وبعد خطاب الولاء هذا ببضعة أشهر كان  أول اتفاق مع صندوق النقد الدولي في ماي 1989 ثم كان اتفاق في جوان 1991 , بالإضافة إلى الاتفاقيات التي أبرمت مع البنك الدولي في سبتمبر 1989 و على ضوء تلك الاتفاقيات تدعم طرح صندوق النقد الدولي في إعادة هيكلة الاقتصاد الجزائري و تبني رسميا سياسات اقتصاد السوق فبدأت خلال 1989 أولى خطوات تحرير التجارة الخارجية و المدفوعات و من أهم هذه الخطوات:

                – إلغاء التخصيص المركزي للنقد الأجنبي .

                – إنهاء احتكار الدولة للتجارة الخارجية .

                – الاعتماد على آليات العرض و الطلب في تحديد أسعار الفائدة و أسعار الصرف.

                – تقليص تشكيلة السلع التي تحدد الدولة أسعارها .

                – منح الاستقلالية لخمس بنوك تجارية .

وجاءت خطة  1990 – 1994 مستكملة للتطبيق برنامج التكييف في معظم المجالات مثل

– إعطاء الاستقلالية الكاملة للمؤسسات في اتخاذ القرارات الإدارية و المالية على أساس قواعد السوق و مؤشرات الربحية الاقتصادية و المالية و حرية تحديد الأسعار

– تقليص دور خزينة الدولة في تمويل عجز المؤسسات التي تحصلت على الاستقلالية الكاملة .

– اتخاذ إجراءات لإصلاح نظام الأجور و تغيير سياسة الإعانات و نظم الدعم .

– إلغاء التمييز بين القطاع العام و القطاع الخاص فيما يتعلق بالقروض و أسعار الفائدة

– التوقيف عن التمويل المباشر للبناء السكني .

– تمكين القطاع الخاص المشاركة في التجارة الخارجية .

ومن خلال ما سبق نستنتج أن الجزائر بلجوئها إلى المؤسسات العالمية كانت تسعى للاسترشاد ببرامجها كحلول جاهزة لتسكين الأزمات المتنامية من ناحية و الحصول على شاهدة حسن السيرة كوثيقة ضرورية لتأمين انسياب التمويل الخارجي .

وقد مهدت الاتفاقيات الأولى ( اتفاق مع صندوق النقد الدولي في 30 ماي 1989 , وثاني اتفاق معه في 3 جوان 1991 , والاتفاق مع البنك الدولي بدءا من اتفاقيات سبتمبر 1989 إلى اتفاق جوان 1991 ) لعقد اتفاقيات إعادة الجدولة وساعدت على توفير تمويل من قبل الصندوق و البنك منذ 1994 إلى 1998، وبالرغم من المجهودات المبذولة من اجل النهوض بالاقتصاد الوطني فإن المنافع المحتملة لعملية التحرير و الإصلاح لم تتحقق في مجموعها , ففي عام 1992 تباطأت خطى الإصلاحات الهيكلية واتسع نطاق الاختلالات الاقتصادية الكلية نتيجة لتطورات سياسية خطيرة أدت إلى انعدام اليقين السياسي والصراع المدني وتضائل فرص الوصول إلى التمويل الخارجي . وقد بلغ العجز في الميزانية ما نسبته 8.7 % من أجمالي الناتج المحلي في عام 1993 كما شهدت السنوات الأولى من التسعينات ظهور ضغوط تضخمية ساهمت في انخفاض قيمة الدينار بالإضافة إلى انخفاض كبير في سرعة دوران النقود و تدهور الحساب الجاري الخارجي نتيجة لانخفاض في أسعار النفط وحدوث عجوزات في مختلف المواد الاستهلاكية و زيادة في البطالة من 20% من القوة العاملة في عام 1990 إلى 24% سنة 1993 .

3: الإصلاحات الاقتصادية منذ 1994:

على خليفة الاختلالات السابقة وتزايد انخفاض آخر في أسعار النفط خلال سنة 1994 الذي صاحبه تزايد الصراع المدني ونضوب التمويل الخارجي مما قاد الاقتصاد إلى حافة الأزمة في ميزان المدفوعات ودفع الجزائر إلى صياغة برنامج شامل للتصحيح الهيكلي الذي حظي بمساندة صندوق النقد الدولي في ماي 1994 وكان برنامج الإصلاح هذا يهدف إلى تحقيق أربعة أهداف رئيسية هي :

1/ رفع معدل النمو الاقتصادي بغية استيعاب الزيادة في القوة العاملة وخفض البطالة تدريجيا .

2/ الإسراع في تحقيق التقارب بين معدلات التضخم السائد في الجزائر مع المعدلات السائدة في البلدان الصناعية .

3/ خفض تكاليف الانتقالية للتصحيح الهيكلي .

4/ استعادة قوة ميزان المدفوعات مع تحقيق مستويات ملائمة من احتياطات النقد الأجنبي.

أما الاستراتيجية التي يقوم عليها هذا الإصلاح هي استراتيجية متوسطة الأجل تهدف إلى تنفيذ ثلاثة محاور كما يلي :

– تعديل الأسعار النسبية و تحرير التجارة الخارجية .

– ضبط الإنفاق العام وتشديد السياسة النقدية لاحتواء الطلب الكلي وتحقيق . التوازن الداخلي و الخارجي بمرور الوقت .

– إنشاء الآليات المؤسسية و السوقية اللازمة لاتمام عملية الانتقال من الاقتصاد المخطط مركزيا إلى اقتصاد السوق المتنوع .

* تعديل الأسعار النسبية و تحرير التجارة الخارجية .

في هذه النقطة اهتمت الدولة بصفة جدية بسعر الصرف و آثاره السلبية خاصة على الأسعار . ولتخفيف أثر سعر الصرف تمت الإجراءات التالية  :

– خفض قيمة العملة بنسبة 50% لتصحيح الارتفاع المفرط في قيمة الدينار الجزائري

– الاعتماد على نظام التعويم الموجه لنظام سعر الصرف .

– إدخال نظام سوق النقد الأجنبي بين البنوك في نهاية 1995 .

ولقد نتج عن هذه الإجراءات خفض سعر الصرف الفعلي الحقيقي بحوالي 30 %  نتيجة لخفض سعر الصرف الاسمي مع اتباع سياسات متشددة .

هذا فيما يخص أهم الإجراءات التي قامت بها الدولة على سعر الصرف بغية تحقيق قدرة تنافسية مع الخارج من شأنها أن تنوع الاقتصاد بدرجة أكبر في اتجاه الأنشطة التجارية غير الهيدروكربونية وكذا التأثير على الأسعار المحلية.

كما كانت هناك إجراءات مباشرة على الأسعار النسبية ذاتها , ففيما يخص أسعار الفائدة فبعد التحرير الجزئي لها في بداية التسعينات تم وضع أول خطوة من أجل إنشاء نظام أسعار الفائدة التي تحددها قوى السوق سنة 1994 وتم تحرير أسعار الفائدة بصفة نهائية سنة 1995 ومع تباطؤ التضخم ظهر سعر فائدة حقيقي موجب سنة 1996 . أما فيما يخص أسعار السلع و الخدمات فقد تم إلغاء الدعم لأغلبية السلع سنة 1994 حيث تم استثناء بعض المنتجات ليتم إلغاء الدعم حتى على المنتجات التي تم استثنائها سنة 1994 وهذا خلال السنتين التاليتين .

ونتج عن هذه الإجراءات ارتفاع رهيب في الأسعار وصل في المتوسط إلى 200تقريبا فيما يخص أسعار المنتجات الغذائية البترولية .

أما أهم الإجراءات التي التمستها الدولة من أجل تحرير التجارة الخارجية و المدفوعات الخارجية :

  • إلغاء الحضر المؤقت للسلع التي كان استرادها غير مسموح وهذا في نهاية 1994 .
  • تخفيض معدل الرسم الجمركي الأقصى من 60 في المائة في عام 1994 إلى 45 في المائة اعتبار من أول يناير 1997 .
  • تحرير المصروفات السياحية في نهاية عام 1997 .

* سياسات و أداء الاقتصاد الكلي:

من أجل تحقيق الأهداف الاقتصادية الكلية للبرنامج تمت الإجراءات التالية

  • الاعتماد على التصحيح المالي القوي .

– الاعتماد على سياسة صارمة بشأن الدخول وسياسة نشيطة بالنسبة لسعر الصرف .

– تطبيق سياسة نقدية متشددة طبقا لأسعار فائدة حقيقة موجبة .

–  إحداث تقييد صارم للاتفاق العام خاصة بالنسبة لإعانات الدعم و الاستثمارات .

– تطبيق إجراءات للتحكم في السيولة ومنها الاشتراط على البنوك الاحتفاظ بنسبة احتياط إجبارية وذلك عام 1994 و استحداث عمليات السوق المفتوحة .

* الإصلاحات الهيكلية و المؤسسية : 

بعد مرور عدة سنوات من تبني اقتصاد السوق و ابتداءا من عام 1994 طبقت الجزائر تدابير تهدف إلى تحويل دور الدولة من منتج لمعظم السلع و الخدمات إلى مقدم للخدمات الإدارية و التعليمية , وتوفير الإطار التنظيمي الضروري لتأمين التشغيل الفعال لاقتصاد السوق و إحراز التقدم بصفة خاصة في إعادة هيكلية المؤسسات العامة لتسهيل خصخصتها و تطوير القطاع الخاص و إعادة هيكلة القطاع المالي وهذا من أجل مواجهة النقائص التي نتجت عن الجهود المبدولة قبل عام 1994 و التي تعود لسببين رئيسيين هما:

1- عدم تمكن السلطات من منع التراكم المتزايد للخسائر في المؤسسات العامة لأن الكثير من هذه المؤسسات لم تتمكن من تقرير أسعار منتجات بحرية بالإضافة إلى السهولة التي كانت تتلقاها فيما يخص منح الائتمان من طرف البنوك التجارية و اللجوء إلى هذه الأخيرة في كل مرة .

2- عدم شمول الإصلاحات على إعادة الهيكلة الفعلية للمؤسسات العامة .

و لأجل محاربة تلك النقائص قامت الدولة بعدة إجراءات و من أهمها :

-فرض حد أقصى على الإئتمان الذي تستطيع المؤسسات الحصول عليه من البنوك التجارية .

– وضع خطط متوسطة الأجل لتقليص خسائر التشغيل من خلال اتخاذ إجراءات أفضل في مجالات الرقابة على المخزون و إدارة التكاليف .

– توجيه الإنتاج نحو الأنشطة الأكثر قدرة على الاستمرار .

– وضع برنامج في سبتمبر 1996 يهدف إلى استعادة القدرة المالية للمؤسسات الكبرى , وغلق المؤسسات العامة العاجزة عن الاستمرار .

– وضع خطة جديدة للتأمين ضد البطالة في يوليو 1994 حيث يتم تقديم مدفوعات إنهاء الخدمة في شكل مبالغ مقطوعة للعمال المسرحين .

أما فيما يخص الإصلاحات الموجهة لإعادة هيكلة المؤسسات  فتتمثل خصوصا في بدأ تنفيذ برامج  الخصخصة فبعد إصدار قانون ينص على السماح ببيع المؤسسات العامة لأول مرة وذلك طبقا لنص قانون الموازنة التكميلية لعام 1994 وكذا عرض إدارة المؤسسات العامة على القطاع الخاص بموجب عقود الإدارة و اشتراك القطاع الخاص بنسبة تصل إلى 49 % في أسهم رأسمالها بالإضافة إلى إلغاء احتكار الدولة لسوق التأمين و السماح بالمشاركة الأجنبية في رأسمال البنوك التجارية , ثم , إصدار قانون الخصخصة لعام 1995 الذي سمح بالملكية الخاصة التامة لمعظم المؤسسات العامة . وضمن هذا الإطار بدأ تنفيذ أول برنامج للخصخصة في أفريل 1996 بمساندة البنك الدولي و استهدف هذا البرنامج قطاع الخدمات حيث تم خصخصة 200 شركة من الشركات العامة المحلية الصغيرة , كما تم إنشاء شركات إقليمية قابضة في نهاية عام 1996 ساعدت على تسارع خطى عمليات الخصخصة ليبلغ عدد الشركات التي شملتها العملية 800 شركة محلية في أفريل 1998 ومما ساعد أيضا على تسارع خطى عمليات الخوصصة هو تعديل قانون عام 1995 في أفريل 1997 لجعل إجراءات تحويل الملكية ذات مرونة أكثر حيث وفر التعديل إمكانية الدفع على أقساط و مشاركة العاملين في أسهم رأس المال و الخصخصة بقسائم

وبخلاف هذه المبادرات نحو الخصخصة تم إنشاء مؤسسات جديدة للنهوض بتنمية القطاع الخاص المحلي و الأجنبي و الحصول على إعفاءات من الضرائب الإدارية و غير ذلك من الحوافر الاستثمارية

قائمة المصادر والمراجع:

د / بلقاسم حسن بهلول ” سياسة تخطيط التنمية و إعادة تنظيمها في الجزائر ” الجزء الأول – ديوان المطبوعات الجامعية – الجزائر 1999 .

صالح صالحي : دراسات إقتصادية : – مادا تعرف عن صندوق النقد الدولي – العدد الأول 1999 – مركز البحوث و الدراسات الانسانية الجزائر ص 111.

دراسات اقتصادية : ” مادا تعرف عن صندوق النقد الدولي ” . صالح صالحي – العدد الأول 1999 . مركز البحوث و الدراسات الانسانية – الجزائر – ص 124


شارك الموضوع مع أصدقائك

0

هل أعجبك الموضوع ؟

موضوع مفيد موضوع مفيد
0
موضوع مفيد
موضوع غير مفيد موضوع غير مفيد
0
موضوع غير مفيد
يحتاج الى تعديل يحتاج الى تعديل
0
يحتاج الى تعديل

تعليق عبر فيسبوك

تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *