ابن خلدون


ابن خلدون ابن خلدون

هو وليّ الدين عبد الرحمن بن خلدون، ويُكنّى بأبي زيد،[١]ولابن خلدون مكانة علميّة وفكريّة مُميَّزة؛ وذلك لدوره في صناعة التاريخ، فلم يعتمد فقط على تدوين الوقائع والأخبار، بل حرص على تحليلها وفهمها، وربَط تحرُّكاتها مع منهج مُحدّد؛ وهذا ما جعل بعض المُفكّرين يرَون أنّ ابن خلدون هو من أسّس التاريخ كعلمٍ مستقلّ، وساهم في بناء الأُسُس الأولى لعلم الاجتماع.[٢] ألّفَ ابن خلدون أثناء حياته العديد من المُؤلّفات، منها شرح البردة، وكتب مُلخّصاتٍ حول كُتب ابن رشد، وألّف كتاباً في علم الحساب، وكتاب المُقدّمة المشهور الذي تُرجِم من اللغة العربيّة إلى العديد من اللغات، مثل اللغات الفرنسيّة، والإيطاليّة، والتركيّة، إضافةً إلى ما سبق فإنّ ابن خلدون يُصنَّف ضمن الشعراء المُجيدين، ولكنّ دراسته للعلوم جعلته قليل الإتقان في نَظم الشّعر.

نشأة ابن خلدون 

وُلِدَ ابن خلدون في تونس في عام 332م الموافق لعام 732هـ، وهو ينتمي إلى أصول أشبيليّة أندلسيّة، ودرس العديد من العلوم بالاعتماد على علماء الأندلس الذين انتقلوا إلى تونس، وفي مرحلة الشّباب خدم ابن خلدون في مدينة فاس في بلاط بني مرين؛ ممّا عزّز تواصله مع الوزير لسان الدين بن الخطيب عندما نُفِي إلى المغرب، وأثّرت الحياة السياسيّة في ابن خلدون، سواءً تلك السّائدة عند الحفصيّين الذين يعيشون في تونس، أو السّائدة عند المرينيّين الذين يعيشون في مدينة فاس، ولكنّه قرّر لاحقاً اعتزال السياسة بعد وفاة صديقه الوزير ابن الخطيب.[٤] غادر ابن خلدون الحياة المدنيّة، واختار الانعزال لمدّة أربعة أعوام في الفترة الزمنيّة المُمتدّة من عام 776هـ-780هـ في ولاية وهران، تحديداً داخل قلعة بني سلامة في الجهة الغربيّة من الجزائر، وأثناء هذه الفترة ألّف كتاب مقدّمة ابن خلدون أشهر كتبه. انتقل ابن خلدون للعيش في مصر والشّام، فعُيِّنَ في منصب قاضي قضاة المالكيّة أثناء وجوده في مصر عدّة مرّات، وعندما عاش في مدينة دمشق حاصرها تيمورلنك، فتوجّه ابن خلدون إليه حتّى يُنقذ المدينة، ثمّ سافر لاحقاً إلى مصر وظلّ فيها حتّى توفي بعام 808هـ.

[٤] دراسات ابن خلدون وآراؤه 

اهتمّ ابن خلدون بدراسة العديد من المجالات الفكريّة والاجتماعيّة، وعبّرَ عن دراساته وآرائه في مؤلفاته المتنوّعة، وفيما يأتي معلومات عن أهمّ دراسات ابن خلدون وآرائه : 

بناء المجتمع والدّولة 

يعدّ ابن خلدون أنّ بناء الدولة يعتمد على ظهور قيادة جماعيّة، وتكون الدُّول في بداياتها بسيطةً؛ حيث يحكمها زعماء القبيلة التي تمكّنت من السيطرة على حُكمها، وتصل الدولة إلى الاستقرار وتتطوّر أعمالها، عندما تستطيع إنشاء الأجهزة والوزارات المتنوّعة، ويُقسَم المجتمع البشريّ وفقاً لابن خلدون إلى صنفَين يتأثّر فيهما تطوّره، وهما الحضارة والبداوة، ويتميّزان بأنّهما طبيعيّان بالنسبة للمجتمع، مع وجود اختلاف في نوعيّة الأجيال الخاصّة بكلّ منهما، ويرى ابن خلدون أنّ مجتمع الدولة يتطوّر بناءً على ثلاثة أجيال، هي:

[١] الجيل الأوّل: هو الجيل الذي ينتمي إلى البداوة المتميّزة بالبسالة والخشونة. 

الجيل الثّاني: هو الجيل المتحوّل من البداوة إلى الحضارة؛ وذلك بانتشار الرّفاهية والتّرف. 

الجيل الثّالث: هو الجيل الذي يصل الترف فيه إلى حدّ كبير. 

المجتمع والاقتصاد

تُؤثّر الدولة في جدوى الاقتصاد وفقاً لآراء ابن خلدون؛ حيث ربط بين المجتمع والاقتصاد عن طريق الدّولة؛ بسبب دورها في توفير فرص العمل للمواطنين؛ ممّا يُساهم في دعم الصناعة والإنتاج، فيظهر ذلك بصورة إيجابيّة على الحياة الاقتصاديّة، وربط، أيضاً، عدد السُكّان مع الاقتصاد؛ من حيث النشاطات الاجتماعيّة والأعمال البشريّة، وأشار إلى أهميّة العمل ودوره الجوهريّ في الاقتصاد؛ لأنّه يرى أنّ الحصول على الرِّزق معتمد على عمل الإنسان وسعيه، كما اهتمّ ابن خلدون بالتّجارة وأشار إلى أنّها شراء الأفراد للمنتجات بأسعار قليلة؛ من أجل بيعها بأعلى الأسعار، أمّا الصناعة فيرى أنّها تُوزَّع بناءً على أهميّتها، سواءً كانت ضروريّة لاستمرار حياة الإنسان، مثل: البناء، والزراعة، والخياطة، والتّجارة، أو مُؤثّرةً في أحد جوانب حياة الإنسان، مثل: الشعر، والطبّ، والكتابة، كما يُصنّف النقود إلى نوعَين، وهما النقود النظريّة التي تُمثّل المعاملات التجاريّة، والنقود الواقعيّة التي تُمثّل النقود المُتداوَلة فعلياً.

[١] البحث الاجتماعيّ والمنهج العلميّ 

يُصنَّف ابن خلدون كأحد روّاد تطبيق الصورة الاستقرائيّة في مجال المنهج العلميّ، وتحديداً في مجال العلوم الإنسانيّة، كما يُعدّ من الروّاد الأساسيين في علم الاجتماع؛ بسبب اهتمامه بالحياة الاجتماعيّة، ولم يتوقّف عند فهم المسائل الاجتماعيّة وإدراكها بل اهتمّ بالبحث الاجتماعيّ، والمنهج العلميّ، وصياغة عدّة قوانين، وساعده ذلك على تعزيز الرّبط بين أصول البحث العلميّ وأُسُسه، وعلم الاجتماع، والفلسفة.

[١] يتميّز منهج ابن خلدون وأسلوبه في الدراسات الاجتماعيّة بثلاث ميّزات، وهي:

[١] الشّموليّة: هي نظرة ابن خلدون الشموليّة إلى الظواهر الاجتماعيّة؛ عن طريق إشارته إلى أهميّة الاجتماع، وتوضيح خصائصه، وشمول جوانبه كافّةً؛ سواء البيئيّة، أو الجغرافيّة، أو التاريخيّة. 

الموضوعيّة: تظهر في تعريفات ابن خلدون للأحوال البشريّة والعمران البشريّ، ووضّحها باستخدام عدّة أمثلة من الواقع، كما اعتمد في الواقعيّة على المبادئ النفسيّة، وتكلّم عن الفكر الإنسانيّ، وأنّ الحوادث الواقعيّة تحدث بناءً على الفكر، وأشار أيضاً إلى العقل التجريبيّ، وطريقة حدوثه. 

النظرة التكامُليّة: هي ربط ابن خلدون بين الواقعة الفرديّة والوقائع الاجتماعيّة، وأشار إلى ذلك في كتاب المُقدّمة، ويُعدّ دليلاً على أنّه نظر إلى المجتمع بصفته مترابطاً بكافّة أجزائه، كما أكّد على أهمية الصّيرورة والتأثير المتبادل في المجتمع، وأشار إلى ذلك أثناء تقييمه للمنطق؛ حيث يرى أنّه منهج بحثيّ وعلم من العلوم. 

 


شارك الموضوع مع أصدقائك

0
fazo

مبتدئ

أستاذة اللغة الفرنسية

تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اختر شكل الموضوع
موضوع
ادراج نصوص وصور وروابط تحميل
تصويت
التصويت لاتخاذ القرارات أو تحديد الآراء
فيديو
يوتيوب ، فيميو أو فاين Embeds
صورة
صورة أو صورة GIF