الرمز والأسطورة في “أنشودة المطر” لبدر شاكر السياب

اولى ماستر، ادب حديث ومعاصر.


الرمز والأسطورة في “أنشودة المطر” لبدر شاكر السياب

لمحة عن بدر شاكر السياب:

هو شاعر عراقي، وأحد الشعراء المشهورين في القرن العشرين، ولد في قرية جيكور في البصرة يوم 25 ديسمبر للعام 1929، توفت أمه عندما كان يبلغ ست سنوات، فكان لوفاتها أعمق الأثر في نفسه، حيث عززت وفاتها شعوره بالحرمان العاطفي، وأنهى دراسته متخصصاً في اللغة العربية، ومن ثم اللّغة الإنجليزية، وعرف عنه ميله للسياسة وللحزب الشيوعي، فُصل من عمله كمدرس للغة الانجليزية، وانتقل إلى إيران فالكويت؛ وذلك بسبب قيام الثورات الانقلابية حينئذٍ. 

واتصف السياب بالذكاء في شعره، كما أنه تأثر بالمراحل المعيشية التي عاشها، وتقلبات الحياة التي حدثت معه، من حيث التغير الاجتماعي والفكري والسياسي، وبات شعوره بالألم الشديد في قلبه الحساس جداً مبعثاً للتشاؤم، وقتل الأمل في الحياة، وتكاثف لديه هذا الشعور، عندما لم يفلح بالبحث عن امرأة حياته، فوأد الأمل بالتمام. 

تنقل السياب بين عدة وظائف ما بين التعليم والعمل في السفارة الباكستانية ومصلحة الموانئ، ولجأ عبر ذلك للنزعة الواقعية في أشعاره، فصار يحلل خصائص مجتمعه، ويصفها وصفاً دقيقاً، فيه من الحقائق كل ما يراه شاعر بنفاذ بصره وبصيرته، وصور واقع بلده – العراق- بالأليم، وراح يعاني معهن ويتالم لآلامه.

أنشودة المطر بدر شاكر السياب:

قصيدة سياسية من قصائد الشاعر بدر شاكر السياب، كتبها عام 1954م، ولد قرب البصرة عام 1962م ودرس في دار المعلمين، إهتم بالسياسة منذ الصغر، وتنقل في أفكاره بين الشيوعي والقومي وبسبب مشاركته السياسية سجن أكثر من مرة وبعدها تم نفيه الى مصر، لتنطلق قريحته الشعرية على أتم وجهها، كان نحيلا فقيرا طِوال حياته، واهتم بكتابة الشعر السياسي بكم غير قليل من الغموض، مات عام 1964م في الكويت.

مضمون القصيدة:

يتحدث الشاعر عن امرأة قد تكون امرأة حقيقية يقصدها أو أنه يشبه العراق بالمرأة الفاتنة يصف عينيها بالنخيل في الظلام او بالشرفة عند انسحاب القمر بعيدا عنها فتغرق في ظلام الليل، فالشجر يكتسب اللون الأخضر وتتراقص في صفحة الماء لتشبه الأقمار وكأن النجوم تتلألأ في محجر العين، إلا أن هاتان العينان تغرقان في حزن يتشابه وحزن البحر المساء فتضم الصورة تناقضات دفئ الشتاء وذبول الخريف إضافة الى الموت والميلاد والعتمة والضياء، كل هذه الصور تسبب حاجة ضرورية في نفس الشاعر بالبكاء وشعور آخر بالنشوة التي ترتقي بروحه إلى عنان السماء كنشوة الطفل شده جمال القمر وأخافه من الغموض الذي يحتويه.

يملأ الشاعر في هذه اللحظة المتزامنة مع نزول المطر فرحة أطفال في بلاده وسعادتهم وسط كروم العنب، استبشار بسقوط المطر كما يشعر بصغار العصافير وقد أحست كم الأطفال باللحظة وتمنت أن يكون نزول المطر وشيكا أيضا بل وهتفت معهم مطر أملا واستبشارا بقدومه.

توظيف الرمز في أنشودة المطر:

إن الرمز هو تسرب الى ثنيا النص الشعري ويسري في مفاصله حين تكون اللغة الموضوعة عاجزة استنفارات حدود العالم الباطن وهو يعمل على إكساء الفكرة شكلا من أشكال المحسوسة على أن ذلك لا يعد الشعر في حد ذاته وإضافة الى ذلك فالرمز ذو صلة عميقة بالتفكير الشعبي كم يقول ”فرويد” فهو ماثل في أغاني الشعب وأساطيره ورواياته المتوارثة.

وقد حلل الكثير من النقاد أسباب لجوء السياب الى الرمز وهي اسباب سياسية ناجمة عن ميل الشاعر الى الرمز بسبب تأزم الاوضاع السياسية وخشية من غضب السلطة أولا، أما الطائفة الأخرى من النقاد فترى أن السياب لجأ الى الرمز لتأثره بالأدب الغربي والطائفة الثالثة هي التي ترى أن السياب يستخدم الرمز استعراضا لعضلاته الثقافية وهناك تفسيرات أخرى بعضها نفسي والآخر فكري.

لقد تمتع السياب بقدرة فَتِرةٍ على استحياء الرموز وخلفها والارتقاء بدلالتها والتوحد معها وإيصال أفكاره من خلالها بأسلوب رائع وناجح في التعبير من خلالها تعبيرا شفافا يومئ الى المقصود من طرف خفي ولذلك وقف النقاد طويلا عند استخدام السياب للرموز ودواعي لجوؤه إليها والمنابع التي استسقى منها تلك الرموز، ولجوؤه الى الرموز الاسطورية في شعره، لأنه يراها شديدة الصلة بالحاضر فذلك لقاء طبيعي لأن الاسطورة التي هي فكرة وعطاء إنساني كبير قابلة للتحول، ولأنه ملامس للواقع المعاصر.

شرح النص:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

المطر رمز الحياة على الارض فهو مصدر الخير والخصب والحياة وقد بدأ الشاعر قصيدته بصورة موحية بالهدوء والسكينة.

يبدأ الشاعر بالتغزل في عيني الحبيبة فهما غابتا نخيل ساعة السحر وهما مقيدتان بساعة السحر وهي ساعة الهدوء والسكينة.

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وقد أضفى امتداد الغابتين هدوءاً ممتدا أردف بهدوء الساعة بل لم يكتف بذلك فإذا العينان شرفتان مطلتان يبتعد عنهما القمر أو الضوء لتنعما بهدوء أيضا، يردف الهدوء السابق، ولكن الشاعر يعود الى هذا الهدوء فإذا به يحركه أو يبعث فيه الحركة.

وترقص الأضواء…كالأقمار في النهر

يرجه المجذاف وَهْناً ساعة السحر

فكأنما تنبض في غوريهما، النجوم

فالعينان حين تبسمان تورق الكروم وينبعث النور المتلألئ  منهما وكأنهما قمر يتراقص على صفحة نهر يهز مياهه المجذاف، أو النجوم غائرة في الظلام السحيق تنبض بالحياة.

وتغرقان في ضباب من أسى شفيق

كالبحر سرح اليدين فوقه المساء

ومع هذا فإن الهدوء والسكينة تظل في الصورة المسيطرة على العينين محبوبته عندما تغرقان في ضباب شفاف حزين، كـنهما بحر بدأ الماء يمد ظلمته فوقه.

الأساطير في شعر السياب (أنشودة المطر):

1أسطورة عشتار:

عشتار هي إلهة الخصب او الأم الاسطورية وهي عاشقة لتموز، الاسطورة البابلية التي تعتبر رمزا لإعادة الحياة الى الارض، يتحدث الشاعر عن هذه الاسطورة في إحدى قصائده تحت عنوان: “أنشودة المطر” حيث يقول:

” عيناك غابتا نخيل ساعة السحر،

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر،

عيناك حين تبسمان تورق الكروم،

وترقص الأضواء…كالأقمار في نهر

يرجه المجذاف وهنا ساعة السحر

كـأنما تنبض في غوريهما، النجوم…”

لم يذكر فيها الشاعر اسم الإلهة مباشرة ولكن الصفات المذكورة هي الصفات التي تختص بهذه الإلهة في بداية الأمر يبدو أن الشاعر يصف حبيبته وعشيقته عندما يذكر هذه الاوصاف الظاهرية، ولكنه عندما يتقدم في وصفه يفهم القارئ بأنه يتحدث عن أسطورة عشتار في قالب الحبيبة، لأن خصائص هذه الاسطورة إعادة الانتعاش و الخصب الى الارض ونرى الانبعاث الأسطوري في القصيدة عندما تبتسم إلهة الخصب حيث يقول: ” عيناك حين تبسمان تورق الكروم”

كأن هذه الاسطورة هي وطن الشاعر والشاعر يريد إعادة الخصب والحياة الى وطنه.

المراجع:

1-نبيلة ابراهيم، الانسان والزمن في التراث الشعبي، مجلة الأقلام البغدادية، أيار 1976م.

2- يوسف الصائغ، الشعر الحر في العراق، 162، مطابع رمزي بغداد 1978م.

3- بدر شاكر السياب، الأعمال الشعرية الكاملة، بيروت، دار العودة، 2000.

4- الاسطورة في شعر السياب، عبد الرضا علي.


شارك الموضوع مع أصدقائك

0

تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اختر شكل الموضوع
موضوع
ادراج نصوص وصور وروابط تحميل
تصويت
التصويت لاتخاذ القرارات أو تحديد الآراء
فيديو
يوتيوب ، فيميو أو فاين Embeds
صورة
صورة أو صورة GIF